جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
أنفع شيء في التربية والتزكية هو عرض النفس مباشرة على الوحي الصافي. الوحي مصدر نقي لا يأتيه الباطل أبدا وتلقي العلم منه متعة كبيرة. أجمل شعور هو أن تعيش مع الحديث كأنك مع النبي مباشرة. تعاملنا مع القصص النبوي لا يجب أن يكون سطحيا كأنه مجرد تسلية. القصص منهج رباني عظيم لتربية الأنبياء والصحابة وبناء المفاهيم في القلوب الصادقة. استحضار نية التعلم من رسول الله يغير أثر القصة في النفس البشرية تماما.
تبدأ القصة بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لأعرابي أكرمه في ضيافته. أراد النبي الكريم رد المعروف لهذا الرجل فدعاه لزيارته ليقضي له حاجة. حسن الوفاء خلق نبوي عظيم شمل المؤمنين والكفار الذين كانت لهم مواقف. النبي صلى الله عليه وسلم لا ينسى المعروف أبدا كوفائه لأبي بكر وخديجة. عندما سأل النبي الأعرابي عن حاجته ظهرت حقيقة ما يملأ قلب هذا الرجل. طلب الأعرابي ناقة وأعنزا ليركبها ويحلبها أهله وهو متاع دنيوي بسيط وزائل.
تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من دنو همة الأعرابي وضياعه لهذه الفرصة. الاختبار المفاجئ والسؤال السريع هما من يخرجان ما استقر في أعماق النفس البشرية. قارن النبي بين طلب الأعرابي الدنيوي وبين علو همة عجوز بني إسرائيل. الإنسان عبارة عن صندوق مليء بالإرادات ولا يظهر حقيقته إلا بالموقف الصعب. ما سيحضر على لسانك عند الموت هو ما استقر في قلبك دائما. يجب على المؤمن تربية نفسه على أولويات الآخرة لتظهر عند السؤال المفاجئ.
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يقص خبر موسى حين خرج ببني إسرائيل. ضل القوم الطريق فأدرك موسى بحسه النبوي أن هناك سببا شرعيا للضلال. سأل موسى قومه عن الذنب الذي تسبب في تيههم للوقوف على المشكلة. أخبره العلماء بعهد يوسف عليه السلام ألا يخرجوا من مصر إلا بعظامه. السنن الربانية لا تعرف المحاباة حتى مع وجود نبي كريم ككليم الله. تهاون العلماء في تنفيذ الوصية أدى لتعطل المسير وضياع معالم الطريق عنهم.
لم يكن يعلم موضع القبر إلا امرأة عجوز من عامة بني إسرائيل. عندما طلب منها موسى الدلالة على القبر اشترطت أن يعطيها حكما غاليا. لم تطلب العجوز ذهبا ولا ملكا بل طلبت مرافقة موسى في الجنة. تردد موسى في إجابتها لأنه يعلم أن منازل الجنة بيد الله وحده. أوحى الله لموسى أن يعطيها حكمها تكريما لصدقها وحفظها للأمانة حين نسيها. هذه المرأة علمت الأجيال أن المنافسة الحقيقية تكون على الآخرة لا على الدنيا.
قادتهم العجوز لمستنقع ماء وأمرتهم بتجفيفه ثم الحفر لاستخراج جثمان يوسف عليه السلام. الأنبياء لا تأكل الأرض أجسادهم وذكر العظام في الحديث من باب الجزء. بمجرد رفع الجثمان أضاء الطريق لبني إسرائيل وصار مثل ضوء النهار تماما. إذا التزم الإنسان بطاعة الله وأصلح ما بينه وبينه أصلح الله واقعه. الخلل في التيسير والتوفيق في حياتنا غالبا ما يكون سببه نقص التقوى. صدق العجوز مع الله جعلها معلمة للأجيال وساق الله لها الكرامة والفضل.
لا تحقرن أحدا أبدا فقد يكون لشخص بسيط قلب كقلب هذه العجوز. تعلم العلم النافع فإنك لا تدري متى تحتاجه أو تنجو به أبدا. الاستقامة على أمر الله تجلب النور والبركة في الدنيا والآخرة للمتبع للحق. القصة تعلمنا أن الهمم العالية لا تشيب أبدا بمرور السنين وتقدم العمر. يجب أن نكون أصحاب إرادة قوية ونتمنى أن نكون شيئا لنصرة الدين. ختاما اسأل الله أن يرزقنا صدق اليقين وعلو الهمة كما رزقها للعجوز.