جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
نلتقي اليوم مع قصة من أشهر قصص النبي صلى الله عليه وسلم وهي قصة قاتل المائة نفس. دورنا هو استخراج الفوائد التربوية العميقة التي قلما ينتبه إليها الناس في الخطاب الدعوي المعتاد. هذه القصة مليئة بالدرر التي تؤثر في السلوك والفكر والعقيدة بشكل مباشر وقوي للغاية. العبرة دائما ليست بمجرد معرفة أحداث القصة بل بمدى التغيير الذي تحدثه في قلب المؤمن. التربية بالقصص هي منهج رباني أصيل استعمله الله مع نبيه والنبي مع صحابته الكرام. يجب أن نتلقى هذه المعاني بقلب حاضر وكأننا نجلس في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم.
بدأت رحلة هذا الرجل بلحظة يقظة صادقة وهي أول منزلة من منازل العبودية لله تعالى. لحظة اليقظة هي سؤال النفس عن مآل الأفعال والذنوب والبحث عن طريق للعودة والإصلاح. أجمل ما في هذا الرجل أنه ركز في هذه اللحظة ولم يسوف أو يتجاوز نداء قلبه. الخوف الحقيقي هو أن يأتيك خاطر التوبة ثم تهمله فيحرمك الله منه كعقوبة على الإعراض. التسويف قد يؤدي إلى كراهية الله لعملك فتثبط عن الطاعة وتترك في غمرة الغفلة والضياع. عندما تأتيك بذرة اليقظة يجب أن تسقيها بالعمل الفوري قبل أن يسرقها الشيطان بجيوش وسواسه.
يظهر في القصة خطر الفتوى بغير علم وكيف أن العاطفة المجردة قد تدمر حياة الناس. الرجل الذي دل القاتل على الراهب أخطأ في توجيهه لأنه اعتمد على المظهر لا العلم. الراهب تسرع في الحكم وأغلق باب الرحمة بجهله فكانت النتيجة هلاكه وإكمال الرجل للمائة. لا تسلم دينك إلا لعالم راسخ يعرف مقاصد الشريعة ولا يكتفي بمجرد العبادة والزهد الظاهري. كلمة لا أدري هي نصف العلم وهي التي تحمي المفتي والمستفتي من الوقوع في المهالك. صلاح النية لا يبرر فساد العمل أبدا فالرجل أراد الخير ولكنه تسبب في جريمة كبرى.
بطل القصة الحقيقي هو العالم الذي فتح باب الأمل وأعطى للقاتل خطة علاجية واقعية. العالم الرباني يفهم الواقع وييسر على الناس طريق التوبة دون أن يهون من عظم الجرم. نصيحة العالم بترك الأرض السوء هي أهم خطوات الاستقامة لأن البيئة تؤثر في سلوك الإنسان. المفسدون والرفقة السيئة قد يمنعون التائب من الاستمرار ولذلك وجبت الهجرة عن مكان المعصية. المجتمع الذي ترك الرجل يقتل مائة نفس دون إنكار هو شريك في الإثم بترك الإصلاح. التغيير الجذري يتطلب شجاعة في مفارقة العادات القديمة والأماكن التي تذكر المرء بذنوبه وسقطاته.
أثبت الرجل صدق توبته بالمبادرة الفورية والجري نحو الأرض الصالحة دون أدنى تردد أو تأخير. تأخير قرار التوبة ولو لساعة واحدة قد يغير المصير الأبدي للإنسان إذا أدركه الموت فجأة. الرجل حقق الهجرة بقلبه قبل بدنه وانقطع عن المعاصي قبل أن يبدأ في فعل الطاعات. النجاة الحقيقية تبدأ بصدق الإقبال القلبي على الله والفرار من سخطه إلى واسع رحمته وكرمه. حتى عندما أدركه الموت في الطريق حاول أن ينأى بصدره جهة القرية الصالحة طلبا للقرب. هذا الشبر الواحد الذي مال به الرجل نحو الخير كان هو الفارق بين الجنة والنار.
سعة رحمة الله لا حدود لها وهي تسبق غضبه دائما لمن أقبل عليه بصدق وانكسار. الله عز وجل يبسط يده بالليل والنهار ليقبل توبة المسيئين مهما بلغت ذنوبهم وقبائح أعمالهم. تظهر في القصة معاني اللطف الإلهي كيف دبر الله لعبده ملكا يحكم بين الملائكة بالعدل. الله شكور يقبل القليل ويعطي الكثير فقد شكر للرجل خطواته اليسيرة وغفر له تاريخا بشعا. الحلم الإلهي تجلى في إمهال الرجل طوال تلك الجرائم ثم قبوله فور تفكيره في الأوبة والرجوع. لا يوجد ذنب في الوجود يحول بين العبد وبين رحمة ربه إذا استوفى شروط الصدق والإخلاص.
نتعلم من هذه القصة أن العبرة دائما بالخواتيم وبما يختم به الله للعبد في آخر حياته. يجب أن نحذر من الاستعلاء بالطاعة أو احتقار المذنبين فلعل أحدهم أقرب إلى الله منا. القصة ترسخ في نفوسنا اسم الله الهادي الذي ألقى إرادة التوبة في روع هذا السفاح. الودود سبحانه يتودد للتائبين ويقرب لهم الأرض الصالحة ويباعد عنهم أرض السوء والفساد. الانكسار والندم هما روح التوبة وهما اللذان جعل الملائكة تختصم في رجل لم يعمل خيرا. ختاما اسأل الله أن يرزقنا يقظة لا غفلة بعدها وأن يختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين.