جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
الكرامة شيء ثابت في الكتاب والسنة ويعتقدها أهل السنة والجماعة كحقيقة يقينية لا تقبل الشك. هي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي صالح تابع لنبي مرسل من عند الله. تظهر الكرامة لتثبيت الولي في محنته أو لإقامة الحجة البالغة على الكافرين والمعاندين في المجتمع. يفرق العلماء بين المعجزة والكرامة والسحر لضبط الفهم العقدي الصحيح لدى كل مؤمن صادق يبحث عن الحق. المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة ويجب إظهارها لإقامة الحجة على الأقوام المكذبين لنبيهم في كل زمان. أما الكرامة فالأصل فيها الإخفاء ولا يقصد بها التحدي والمباهاة أمام عامة الناس في مواقف الحياة اليومية.
القاعدة الهامة هي أن الكرامة لا تثبت إلا لولي صالح متبع للسنة النبوية في أقواله وأفعاله. إذا حدث أمر خارق للعادة على يد شخص غير صالح فهي من أفعال الشياطين وليست كرامة إلهية. الإمام الشافعي حذر من الاغترار بمن يطير في الهواء حتى يرى اتباعه الكامل للشرع والسنة المطهرة. مصلحة الشيطان تقتضي ظهور أمور غريبة على يد الفاسد ليكثر أتباعه من الغافلين عن منهج الله القويم. السحر يمكن إبطاله بالرقية والذكر أما الكرامة فلا يبطلها إلا خالقها سبحانه وتعالى في الوقت الذي يريد. صاحب العقيدة السليمة يميز بقلبه بين نور الكرامة وبين ظلمات السحر والشعوذة الدجالة التي تضلل الناس دائماً.
الغرض الأساسي من ظهور الكرامة هو تثبيت قلب الولي عند مواجهة المحن الصعبة والفتن التي تعترض طريقه. قد تأتي الكرامة للشخص الأقل فضلاً لحاجته الشديدة للتثبيت في طريق الإيمان الوعر والمليء بالتضحيات الجسيمة. الاستقامة الدائمة هي أعظم كرامة يمنحها الله للعبد في مشوار حياته الدنيا وفي الدار الآخرة بإذن الله. الله يبتلي أحب الخلق إليه ليرى منهم عبودية الصبر واليقين والتوكل الصادق عليه في كل الظروف. الابتلاء سنة ربانية ثابتة تميز الصادق من الكاذب وتكفر السيئات وترفع الدرجات العالية للمؤمنين عند ربهم. إدراك حتمية البلاء يجعل المؤمن يوطن نفسه فلا يصدم عند وقوع الفتن والمضايقات التي قد تؤلم قلبه.
الراهب في هذه القصة يمثل نموذج المربي الناجح الذي يتجرد تماماً من حظوظ نفسه ورغباتها الشخصية الزائلة. اعترف الراهب بتفوق تلميذه عليه بصدق وتواضع حين قال له بكل صراحة (أنت اليوم أفضل مني). التخلص من آفة الكبر والحسد هو سر نجاح العلاقة التربوية بين المعلم وتلميذه في طريق الدعوة. المربي الحقيقي هو من يربط الناس بالمنهج وبالله لا بشخصه أو بمكانته المادية والاجتماعية في نظر الخلق. صارح الراهب الغلام بحقيقة الطريق المريرة لئلا يرتد أو يضعف عند أول صدام مع أهل الباطل والظلم. التدرج في عرض الحقائق التربوية مطلوب حتى لا ينفر المبتدئ من مشقة التكليف والالتزام في بداية الطريق.
قصة جليس الملك الأعمى توضح كيف يغير الإيمان العميق بوصلة الاهتمامات والمبادئ والسياسات في حياة البشر. تحول الجليس من الاهتمام بالمال والدنيا إلى مواجهة الطاغية بكلمة التوحيد الخالدة والقوية التي لا تهتز. الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب جعل الإنسان يرى الدنيا على حقيقتها التافهة والصغيرة جداً أمام عظمة الخالق. لم يكن شفاء البصر هو الغاية الحقيقية بل كان وسيلة للهداية والإيمان برب العالمين وحده لا شريك له. الصدق واليقين هما اللذان جعلا الجليس يثبت تحت وطأة التعذيب الشديد والأليم جداً دون تراجع أو تردد. تجربة الجليس تثبت أن لحظة إيمان صادقة قد تزن سنوات طويلة من العبادة التقليدية التي تخلو من الروح.
استغلال المنصب أو المهنة في التأثير على الناس هو باب عظيم من أبواب الخير التي تفتح الآفاق. الأطباء والمعلمون يمتلكون سلطة أدبية تمكنهم من دعوة الناس بأسلوب رقيق ومؤثر جداً في نفوسهم وعقولهم. تقديم الخدمة والمساعدة للناس يفتح قلوبهم لسماع النصيحة وتقبل التوجيه الديني والتربوي برضا تام وحب صادق. جليس الملك عاد لمنصبه بنية الإصلاح وتقليل الشر لا إعانة الظالم على ظلمه المستمر وبطشه المعروف للناس. ليس كل مجالسة لأصحاب القرار تعد ظلماً بل العبرة دائماً بالنية والقدرة على التغيير الإيجابي في المجتمع. يجب على كل صاحب نفوذ أن يستحضر أمانة دينه في كل قرار أو خدمة يقدمها لعامة الناس.
الطريق إلى الله ليس مفروشاً بالورود بل هو مليء بالتحديات والابتلاءات والمحن المتنوعة التي تصقل معادن الرجال. توطين النفس على تحمل الأذى في سبيل العقيدة هو جزء لا يتجزأ من حقيقة الإيمان واليقين بالله. الراهب لم يطلب البلاء ولكنه استعد له جيداً وأوصى تلميذه بالكتمان لحماية بذور الدعوة الناشئة والقوية. الله لا يكلف نفساً فوق طاقتها فالبلاء دائماً يأتي على قدر قوة دين العبد وصدق يقينه بالله. الثبات على المبدأ هو الفوز الحقيقي الذي يسعى إليه المؤمن في كل زمان ومكان مهما كانت الظروف. ختاماً فإن قصة المحنة تعلمنا أن العافية أوسع لنا لكن الصبر هو زادنا عند وقوع البلاء والفتن.