جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
تمثل القصص النبوي منهجاً متكاملاً لبناء شخصية المسلم في كافة جوانبها الأخلاقية والمعاملاتية. وقد كان للنساء نصيب وافر من هذا الوحي الإلهي الذي اختير بعناية فائقة لتكتمل به الصورة. لقد طيب الله خواطر النساء بإنزال آيات تؤكد أن الخطاب الشرعي مشترك وشامل للجنسين. ولم يحرم النبي ﷺ النساء من قصص ترفع هممهن وتعرفهن بأدوارهن العظيمة في الإسلام. هذه القصص تقدم رؤية شمولية للأفكار والسلوك وتصلح لتكون منهجاً يسير عليه الإنسان. إن تحليل مجموع هذه القصص يظهر أنها لم تترك شيئاً من جوانب الشخصية إلا ولمسته بعمق.
تبدأ قصة ماشطة ابنة فرعون برائحة طيبة لفتت انتباه النبي ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج. وقد كشف الله إيمان هذه المرأة من خلال موقف عفوي تمثل في سقوط المشط من يدها. فالعفوية هي المرآة التي تعكس حقيقة التزام المرء وتكشف عن خبايا قلبه وأمراضه. المداومة على الذكر هي التي جعلت "بسم الله" تخرج من لسانها دون حساب في أصعب المواقف. إن الصدمات الأولى والمفاجآت هي الاختبار الحقيقي لمدى حضور الله والآخرة في قلب العبد. فمن أراد معرفة حقيقته فعليه أن يتأمل ردود أفعاله العفوية التي لا تعرف التجمل أو التزييف.
واجهت الماشطة بطش فرعون باستعلاء إيماني منقطع النظير حين صرحت بربوبية الله وحده. أذاقها الطاغية ألواناً من العذاب بحرق أولادها أمام عينيها في زيت مغلي يذيب الأجساد. وقد أظهرت صبراً مذهلاً وطلبت أن تُجمع عظامها وعظام أبنائها في ثوب واحد لتُدفن. وعندما كادت تضعف شفقة على رضيعها، أنطق الله الصبي ليثبتها ويحثها على الاقتحام. أخبرها الرضيع أن عذاب الدنيا أهون بكثير من عذاب الآخرة، فقفزت في النار بيقين. هذا المشهد يثبت أن المدد والسكينة ينزلان من الله في أحلك اللحظات التي يحتاجها المؤمن.
تعتبر آسيا بنت مزاحم نموذجاً للمرأة التي كملت بإيمانها رغم عيشها في أسوأ مجتمع ممكن. لقد كانت فتنتها أعظم لأنها تركت الملك والجمال والسلطان لتختار ما عند الله من النعيم. بصفتها زوجة فرعون، كانت تدرك تماماً ضعف بشريته وأكاذيبه التي كان يخدع بها عامة الناس. لم تمنعها ظروف القصر المليئة بالترف من الالتزام بدعوة موسى عليه السلام والثبات عليها. عذبها فرعون بوتد الأطراف في الصحراء وإلقاء الصخور الضخمة عليها لترجع عن دينها. حطمت آسيا بصدقها كل التبريرات التي يدعيها البعض بخصوص تأثير الظروف على الالتزام الديني.
استحضار الآخرة هو السر الكامن وراء ثبات آسيا التي اختارت الجار قبل الدار في دعائها. لقد رأت بيتها في الجنة أثناء تعذيبها، فابتسمت وضحكت حتى ظن الطاغية أنها أصيبت بالجنون. عندما يكون المشهد الأخروي حاضراً في القلب، تتصاغر الدنيا وتصبح آلامها مجرد جسر عبور. قبض الله روحها برحمته قبل أن تلمسها الصخرة، وظللتها الملائكة لتخفف عنها حرارة الصحراء. الفرق بين الثبات والانتكاس يكمن في مدى حضور الآخرة على "واجهة" اهتمامات الإنسان اليومية. فمن جعل الله همه، كفاه الله كل هم، ورزقه اليقين الذي يجعله يرى الحقائق لا الأوهام.
حفظ التاريخ الإسلامي أدواراً قيادية للنساء في مجالات العلم والعبادة والتربية عبر العصور المتلاحقة. فالسيدة عائشة رضي الله عنها كانت أفقه الناس وأوسعهن علماً حتى في قضايا المواريث والفرائض. وبرزت السيدة نفيسة كعالمة زاهدة حفظت القرآن وتفسيره وحجت ثلاثين حجة بقلب خاشع. كان الإمام الشافعي يقدرها بشدة ويسمع منها الحديث ويطلب منها الدعاء لثقته بصلاحها. كما وقفت بجسارة أمام الظلم وواجهت الحكام بكلمة الحق دون خوف من بطشهم أو سلطانهم. إن هذه النماذج تؤكد أن المرأة المسلمة كانت شريكة أساسية في بناء الحضارة الإسلامية المشرقة.
إن أخطر وأهم دور للمرأة على الإطلاق هو صناعة الأبطال وتربية الأجيال على معاني العزة. فخلف كل إمام عظيم كالبخاري والشافعي كانت هناك أم صالحة بذلت جهدها في تربيته. وسمية وأم سليم ضربتا أروع الأمثلة في الثبات والتضحية من أجل غرس الإيمان في نفوس أبنائهن. الحياء والعفاف هما الحلي الحقيقي للمرأة المسلمة وبهما تكتسب كرامتها ومكانتها السامية في المجتمع. المجتمع يحتاج اليوم إلى الأم المربية التي تدرك فضلها ولا تنساق وراء دعوات التهميش أو الابتذال. فمن استمسكت بعرى الإيمان ارتفعت بنفسها إلى آفاق العز والمنقلب الخير في الدنيا والآخرة.