جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
قصة السطر الواحد هي أقصر قصة نبوية حكاها النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فهي تحمل أعمق المعاني التربوية. العبرة في هذه القصة ليست بطول الأحداث بل بحجم الأثر النفسي والإيماني الذي تتركه في قلب كل من يتدبرها بصدق. النبي أراد أن يوصل للصحابة رسالة مفادها أن طريق الجنة قد يفتح بعمل يسير جداً لا يلقي له الناس بالاً. الاستهانة بالقليل من الخير هي آفة تمنع الإنسان من تحصيل درجات عالية عند الله عز وجل في الدار الآخرة. التأمل في هذا السطر الواحد يجعلنا نعيد تقييم كل حركاتنا وسكناتنا اليومية وما نتركه من أثر في حياة الآخرين. هذه القصة هي منهج حياة لمن أراد أن يتقلب في نعم الله ويفوز بمرضاته بأسهل الطرق وأسرعها وصولاً للحق.
تبدأ أحداث القصة برجل وجد غصن شوك في طريق الناس فقرر أن يزيحه كفاً للأذى عن المسلمين المارين. هذا الفعل البدني البسيط يعكس رقياً أخلاقياً واهتماماً بمصالح المجتمع وسلامة كل فرد يعيش فيه دون استثناء. الرجل لم ينتظر شكراً من أحد ولم يكن يبحث عن شهرة أو جاه بل كان يتحرك بدافع إيماني خالص. الطريق في الإسلام له حقوق ومن أعظمها إماطة الأذى عنه وهي شعبة من شعب الإيمان كما أخبر الصادق المصدوق. الاهتمام بتفاصيل حياة الناس وحمايتهم من الضرر اليسير هو دليل على رقة القلب وسلامة الفطرة البشرية السوية. تنحية الغصن المادي هي الخطوة الأولى في طريق العبودية الشاملة التي تجعل العبد محبوباً عند خالقه وعند خلقه.
قال الرجل في نفسه عبارة قوية: "والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم" وهذا هو سر قبول العمل عند الله. كلمة (والله) تدل على أن المحرك الأساسي له كان هو التعلق بالخالق والبحث عن مرضاته في هذا العمل الصغير. الإخلاص هو الذي حول غصن الشجر التافه إلى تذكرة مرور ذهبية أدخلت صاحبها جنات النعيم بفضل الله وكرمه. التركيز على نفع المسلمين ومنع الأذى عنهم هو جوهر العبادة التي تتعدى نفعها للآخرين وتثقل الموازين يوم القيامة. الصدق في النية يجعل العمل اليسير كبيراً عند الله بينما الرياء يمحق بركة الأعمال الكبيرة مهما بلغت في نظر الخلق. هذه الكلمات القليلة التي دارت في خلد الرجل كانت هي الفارق الحقيقي بين العادة اليومية وبين العبادة القلبية الراقية.
عقب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الموقف بقوله: "فشكر الله له فغفر له" وهذه هي قمة الجوائز الربانية. اسم الله (الشكور) يتجلى هنا بأبهى صوره حيث يقبل الرب القليل من العمل ويعطي عليه الكثير من الثواب والمغفرة. شكر الله للعبد يعني رضاه عنه وتوفيقه لكل خير في الدنيا وستره لذنوبه وتجاوزه عن سيئاته يوم الحساب العظيم. المغفرة التي نالها الرجل كانت شاملة لتاريخه السابق بسبب هذا الموقف الصادق الذي تغلغل في أعماق قلبه وروحه. لا تحقرن من المعروف شيئاً فربما يكون خلاصك من النار في سقية كلب أو إزاحة غصن أو كلمة طيبة. الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولو كان هذا العمل في نظر الناس بسيطاً أو لا قيمة مادية كبيرة له.
أشار المهندس علاء حامد إلى أن الأغصان المعنوية في حياة الناس أقسى وأشد وطأة من الأغصان المادية التي في الطرقات. الكلمة المحبطة أو نظرة اليأس هي أغصان شائكة توضع في طريق التائبين والمجتهدين فتكسر طموحهم وتعطل مسيرهم نحو الله. من ينحي عن الناس يأسهم ويبث فيهم الأمل هو بطل حقيقي يقتدي بصاحب قصة الغصن في أرقى صورها الإيمانية. تنحية غصن الإحباط عن طالب علم أو شاب يريد التوبة هو عمل عظيم يفتح لك أبواب الجنة على مصراعيها. المجتمع اليوم يحتاج لمفاتيح للخير تزيح عوائق النفس والروح قبل أن يحتاج لمن ينظف الطرقات من الأذى المادي. كن أنت الشخص الذي يزيل الأشواك من قلوب الآخرين بكلمة تشجيع أو دعاء بظهر الغيب يغير مسار حياتهم للأفضل.
المسلم الحق هو من يكون مفتاحاً للخير ومغلاقاً للشر في كل مكان يحل فيه أو يرحل عنه بسلام. صناعة المشاكل (وضع الأغصان) هي أسهل شيء يفعله الإنسان لكن العظمة تكمن في أن تكون أنت جزءاً من الحل دائماً. وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مكاناً لوضع آلاف الأغصان المعنوية التي تدمر النفسية وتبث السلبية المفرطة في عقول الشباب والفتيات. نقل الصورة السلبية ونشر الإحباط هو مشاركة في أذية المسلمين وتنفيرهم من العمل والاجتهاد والسعي في مناكب الأرض بجد. الموفق هو من يستخدم لسانه وقلمه لنشر كل ما هو إيجابي ومبشر بالخير والبركة والفتح القريب من الله عز وجل. السعي في منافع الناس وتيسير عسيرهم هو من أرقى أنواع العبودية التي يحبها الله ويشكر لصاحبها صنيعه في الملأ الأعلى.
ختاماً تعلمنا هذه القصة أن رصيد المؤمن عند الله يُبنى بالمواقف الصادقة والنيات المخلصة لا بمجرد المظاهر والشكليات الجوفاء. لا تستهن أبداً بأي فرصة للخير تعرض لك في يومك فربما تكون هي "غصنك" الذي ينجيك من كربات يوم القيامة. الحياة قصيرة جداً والذكي هو من يستثمر في الأعمال الخفية التي تبارك في عمره وتجعل ذكره طيباً في السماء والأرض. اجعل شعارك دائماً "والله لأنحين هذا عن المسلمين" سواء كان هذا الأذى حسياً ملموساً أو معنوياً يؤلم النفوس والقلوب. الله الذي غفر لصاحب الغصن قادر على أن يغفر لك كل ذنوبك إذا رأى في قلبك حرصاً على نفع عباده. نسأل الله أن يستعملنا في خدمة دينه وأن يجعلنا دائماً سبباً في تيسير الخير وإزالة عوائق الشر من طريق المؤمنين.