جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مبينا قاعدة عظيمة في المواريث.
وهو من الأحاديث التي زادها الحافظ ابن رجب الحنبلي على أصل الأربعين للنووي رحمهما الله.
ويعتبر هذا الحديث من الجوامع التي ترجع إليها أحكام الفرائض وقسمة التركات بين المستحقين.
فطالب العلم ينبغي له أن يعتني بالأحاديث التي تدور عليها أبواب الفقه وتعتبر كالقواعد العامة.
وقد تولى الله جل وعلا قسمة الفرائض بنفسه في كتابه الكريم ولم يتركها لاجتهادات البشر.
ولهذا كان علم الفرائض من أقل العلوم التي وقع فيها الخلاف بين العلماء لورود النصوص القطعية.
وإذا ضم هذا الحديث إلى آيات المواريث في القرآن انتظم بذلك معرفة قسمة التركات كلها.
فالحديث يبين كيفية توريث العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم وأنصبتهم المحددة في القرآن الكريم.
وعلم الفرائض من الفروض الكفائية التي يجب أن يقوم بها من يكفي من الأمة لحفظ الحقوق.
ومن أراد أن يضبط هذا الباب أو غيره فليجمع أولا ما أجمع عليه العلماء وتطابقت عليه أقوالهم.
فإن في ذلك فائدتين عظيمتين، الأولى أن يريح نفسه من عناء النقض والرد في المسائل المسلمة.
والثانية أن يعصم نفسه من إحداث قول شاذ لم يقل به أحد من الأئمة المعتبرين في الأمة.
فإن الخلاف في الفرائض قليل جدا، كخلافهم في توريث الجد مع الإخوة، ومسألة العمريتين.
والفروض المقدرة في كتاب الله ستة فروض لا سابع لها، وهي النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس.
وأسباب الإرث المجمع عليها ثلاثة أسباب، وهي النكاح الصحيح، والنسب أي القرابة، والولاء أي العتق.
وموانع الإرث المتفق عليها ثلاثة أيضا، وهي الرق، والقتل المانع من الإرث، واختلاف الدين بين الوارث والمورث.
وقوله في الحديث ألحقوا الفرائض بأهلها، أي ابدؤوا بإعطاء أصحاب الفروض المقدرة أنصبتهم أولا.
وأهل الفرائض هم الوارثون من الرجال والنساء الذين تحقق فيهم سبب الإرث وانتفت عنهم الموانع.
والنسب يجمع ثلاثة أقسام رئيسية من الأقارب، وهم الأصول والفروع والحواشي بلا خلاف.
فالأصول هم من لهم عليك ولادة كالآباء والأمهات والأجداد والجدات من جهة الأب والأم.
والفروع هم من لك عليهم ولادة كالأبناء والبنات وأبناء الأبناء وإن نزلوا بمحض الذكور.
والحواشي هم من عدا الأصول والفروع، كالإخوة والأخوات من كل جهة، والأعمام وأبنائهم.
فإذا أعطيت كل واحد من أصحاب الفروض فرضه المقدر له، بقي حق العصبة في ما فضل من المال.
وهم الذين يأخذون ما أبقته الفرائض، كما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الجليل.
وقوله فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر، أي فما فضل من التركة فيعطى لأقرب العصبات للميت.
وكلمة أولى تعني الأقرب في النسب والجهة والدرجة والقوة إلى المورث من العصبة الذكور.
وقد استشكل بعض العلماء وصف الرجل بالذكر، لأن كلمة رجل لا تطلق إلا على الذكر من البشر.
فأجاب الحافظ ابن رجب وغيره بأن الرجل قد يطلق ويراد به الشخص عموما رجلا كان أو امرأة.
كقوله من وجد ماله عند رجل قد أفلس، فهذا الحكم يشمل الرجل والمرأة على حد سواء.
فجاء التقييد بكلمة ذكر لينفي هذا الاحتمال، ويؤكد أن المراد هو الذكر المعصّب دون الأنثى.
وكذلك كلمة الابن قد تطلق ويراد بها الأعم من الذكور والإناث، كقولهم ابن السبيل للمسافر.
فكان هذا الوصف الدقيق من النبي صلى الله عليه وسلم بيانا شافيا يمنع اللبس والاجتهاد الخاطئ.
ويستفاد من هذا الحديث قواعد عظيمة منها أن المقدم في الإرث دائما هم أصحاب الفروض.
وأن العصبة يأخذون ما فضل، فإذا لم يبق من التركة شيء سقطوا ولم يعطوا شيئا من الميراث.
وإذا انفرد العاصب ولم يكن مع الميت صاحب فرض، فإنه يأخذ جميع المال لعموم هذا الحديث.
واستدل به بعض أهل العلم على مسألة العول، وهي نقص أنصبة الورثة عند تزاحم الفروض وكثرتها.
كما استنبط منه إبطال فعل أهل الجاهلية الذين كانوا لا يورثون الصغار والضعفاء من الأطفال.
فجاء النص بكلمة ذكر ليعم الصغير والكبير، فيأخذ الطفل الرضيع حقه من الميراث كاملا غير منقوص.
وهذا يبرز كمال الشريعة الإسلامية في إعطاء كل ذي حق حقه وحماية المستضعفين من ظلم الأقوياء.
وأن أموال الناس محترمة مقدرة بقسطاس مستقيم، لا يجوز التلاعب بها أو حرمان مستحقيها شرعا.
إن علم المواريث من أشرف العلوم وأعظمها قدرا، وقد وردت آثار في الحث على تعلمه وتعليمه.
والمتأمل في آيات المواريث يلحظ التهديد الشديد لمن يتجاوز هذه الحدود التي رسمها الله للتركات.
فالمال فتنة، والنفوس تتطلع إليه، فلو ترك توزيعه للأهواء لتقطعت الأرحام وسفكت الدماء بسببه.
فحسمت الشريعة هذا النزاع بتفصيل الأنصبة بناء على معايير دقيقة من القرابة والحاجة والأعباء المالية.
فجعلت للرجل مثل حظ الأنثيين في بعض الصور، لأنه المكلف بالنفقة والمهر وتكاليف الحياة الزوجية.
وليس هذا تنقيصا للمرأة كما يزعم الجاهلون، بل هو قمة العدل والتوازن الاقتصادي في نظام الأسرة.
فالمرأة تأخذ ميراثها صافيا لا تلزم بالإنفاق منه على أحد، بينما الرجل ملزم بالإنفاق عليها وعلى غيرها.
وهذا التوزيع الإلهي يضمن تماسك المجتمع وتكافله، ويمنع تركز الثروة في يد فئة دون أخرى.
ومن فقه هذا الحديث ترتيب العصبات عند التزاحم، فيقدم الأقرب جهة ثم الأقرب درجة ثم الأقوى قرابة.
فجهة البنوة مقدمة على الأبوة، والأبوة مقدمة على الأخوة، والأخوة مقدمة على العمومة في التعصيب.
فإذا استووا في الجهة قدم الأقرب درجة، فالابن يحجب ابن الابن، والأب يحجب الجد من الميراث.
وإذا استووا في الجهة والدرجة قدم الأقوى قرابة، فالأخ الشقيق يقدم على الأخ لأب ويحجبه تماما.
وهذه القواعد الدقيقة كلها مستنبطة من كلمة أولى التي نطق بها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.
فما أعظم جوامع الكلم التي أوتيها نبينا، حيث تختصر الكلمة الواحدة مجلدات من الأحكام والتفريعات.
وهذا يؤكد أن السنة النبوية هي الشارحة للقرآن والمبينة لمقاصده، ولا غنى للمسلم عنها في فهم دينه.
ومن استغنى بالقرآن عن السنة فقد ضل ضلالا بعيدا، وخالف إجماع الأمة من لدن الصحابة إلى يومنا هذا.
وختاما فإن تطبيق أحكام المواريث يعتبر من أعظم مظاهر الاستسلام لله والرضا بقضائه وحكمه في الأموال.
ويجب على المسلمين المبادرة بقسمة التركات بعد الوفاة مباشرة، وإعطاء الحقوق لأهلها دون مماطلة أو تسويف.
فإن تأخير القسمة يورث الشحناء بين الورثة، وربما يتوفى بعضهم فتتشابك المسائل وتتعقد الحقوق وتضيع.
ويحرم شرعا ما يفعله بعض الجهال من حرمان البنات أو الزوجات من حقهن في الإرث بحجج واهية باطلة.
كمن يزعم أن المال سيذهب للأغراب، أو يجبر البنات على التنازل عن حقوقهن إكراها وحياء تحت الضغط.
فكل هذا من أكل أموال الناس بالباطل، وهو من كبائر الذنوب التي تستوجب غضب الله وعقابه الأليم.
فالواجب هو الامتثال لقوله تعالى تلك حدود الله، وتوزيع التركة كما أمر الله ورسوله بلا زيادة ولا نقصان.
نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعيننا على أداء الحقوق لأهلها، وأن يقينا شح أنفسنا وفتنة الأموال.