جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يشكو كثرة شرائع الإسلام عليه طالبا نصيحة جامعة.
فقال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فباب نتمسك به جامع؟ وهذا السؤال يعكس صدق الصحابة ورغبتهم في الخير.
فالشرائع يقصد بها الأوامر والنواهي والمستحبات والنوافل التي تنوعت وتعددت، وقد يشق على بعض الناس الإتيان بها كلها بانتظام.
فأراد هذا الرجل عملا يسيرا في أدائه، عظيما في أجره، يجمع له خصال الخير، ويجعله مستمسكا بعروة وثقى لا تنفصم أبدا.
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بجواب مختصر عميق فقال لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل، فهذا هو الباب الجامع للخير كله.
وقد خرج هذا الحديث أئمة كأحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني وابن حبان، واختتم به الحافظ ابن رجب كتابه تتمة الأربعين.
وهذا الختم بحديث الذكر هو من براعة التصنيف، كما فعل البخاري في صحيحه، ليكون مسك الختام للقارئ والمتعلم ذكر الله العظيم.
فالذكر هو قوت القلوب وحياة الأرواح، وهو السلاح الذي يدفع به العبد قطاع الطرق من شياطين الإنس والجن في سيره إلى ربه الكريم.
وقد أطال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الوابل الصيب في ذكر فوائد الذكر وفضائله، حتى أوصلها لأكثر من مائة فائدة جليلة.
منها أنه يطرد الشيطان ويقمعه، ويرضي الرحمن، ويزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب له الفرح والسرور، ويقوي البدن وينشطه للطاعة.
ويجلب الرزق، ويكسو الذاكر المهابة والنضرة، ويورثه المحبة التي هي روح الإسلام ومدار السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.
والذكر باب المحبة وطريقها الأعظم، ويورث المراقبة والإنابة، ويفتح أبواب المعرفة، ويكسب القلب حياة ونورا لا ينطفئ أبدا.
والشريعة لم تترك المسلم في أي جانب من جوانب حياته إلا وربطته بذكر الله، في مدخله ومخرجه، ونومه ويقظته، ولبسه وخلعه.
حتى العبادات الكبرى كالصلاة والحج، إنما شرعت لإقامة ذكر الله، فالصلاة تفتتح بالذكر وتختتم به، وتتخللها الأذكار في كل ركن من أركانها.
وكذلك الحج، فالتلبية ذكر، والوقوف بعرفة ذكر ودعاء، وأمر الله الحجاج بالاستغفار وذكر الله عند قضاء مناسكهم وإفاضتهم.
فالذكر هو روح العبادات، والعبادة الخالية من حضور القلب وذكر الله هي جسد بلا روح، لا تثمر السكينة المطلوبة في النفس الإنسانية.
ويجب أن يعلم المسلم أن الأذكار توقيفية، أي يجب الالتزام بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ألفاظها وأوقاتها وعددها إن حدد.
فلا يجوز للعبد أن يبتدع أذكارا من عند نفسه، أو يغير في الألفاظ النبوية، كما حدث للبراء بن عازب حين أخطأ في لفظ دعاء النوم.
فبدل أن يقول آمنت بنبيك الذي أرسلت، قال برسولك الذي أرسلت، فرده النبي فورا وقال قل آمنت بنبيك الذي أرسلت التزاما بالنص.
وهذا يدل على دقة الشريعة، وأن الأذكار كالأدوية، مقاديرها وألفاظها محسوبة بدقة، فأي تغيير فيها قد يفسد مفعولها الروحي المقصود.
وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري، وسالكها على سبيل أمان وسلامة من البدع.
وما سواها من الأذكار المحدثة قد يكون محرما أو مكروها أو فيه شرك خفي لا يهتدي إليه أكثر الناس لجهلهم بمقاصد الألفاظ ومعانيها.
ففي الأذكار الشرعية غاية المطالب ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو معتد ظالم لنفسه.
فالالتزام بالمأثور هو طريق النجاة، وهو الذي يضمن للعبد حصول الأجر والثمرات العظيمة المترتبة على هذه العبادة اليسيرة النطق.
وقوله لا يزال لسانك رطبا يعكس صورة بلاغية رائعة للاستمرارية والديمومة، فالرطوبة تدل على الحياة والحركة واللين المستمر المتدفق.
وكلما ذكر العبد ربه لان قلبه، وابتعد عن القسوة والجفاء، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره، وكثرة ذكر الله دليل قاطع على كمال محبته في القلب.
ولا يقتصر الذكر على اللسان، بل يجب أن يواطئه القلب، فإذا سبح العبد استشعر تنزيه الله، وإذا كبر استشعر عظمته المطلقة في كونه.
وإذا حمد تذكر نعمه التي لا تحصى، فهذا التوافق بين اللسان والقلب هو الذي يرفع الذكر لأعلى المراتب ويجعله مؤثرا في السلوك والأخلاق.
وقد أمر الله بالذكر الكثير فقال يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا، فالذكر هو العبادة الوحيدة التي لم تحد بحد.
بل طلب المكاثرة منها في كل الأحوال، قياما وقعودا وعلى الجنوب، لتظل صلة العبد بربه موصولة لا يقطعها شاغل من شواغل الدنيا ومغرياتها.
فمن غفل عن الذكر تسلطت عليه الشياطين، كما قال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين يصده عن السبيل.
فالذكر حصن حصين، ودرع متين، يحتمي به المسلم من سهام الفتن، ويرتقي به في درجات الجنة بغير مشقة بدنية أو كلفة مالية باهظة.
إن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للذكر كجواب لمن كثرت عليه الشرائع يدل على أنه العمل الميسر الذي لا يعجز عنه أحد إلا المحروم.
فالذكر لا يحتاج لطهارة البدن دائما، ولا لاستقبال القبلة، ولا لجهد عضلي، فيمكن للمسلم أن يذكر الله وهو يقود سيارته أو يعمل في مصنعه.
ويمكن للمرأة أن تذكر الله وهي في مطبخها أو تعتني بأطفالها، فيتحول وقتهم كله إلى طاعة متصلة تملأ صحائفهم بالحسنات الثقال.
فخير الأعمال وأزكاها عند الله وأرفعها في الدرجات هو ذكر الله، كما أخبر بذلك النبي في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه المرفوع الصحيح.
ولذلك كان جزاء الذاكرين عظيما، فمن ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكره في ملأ ذكره الله في ملأ خير منهم في الملأ الأعلى.
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، وهذا يدل على رقة قلبه واستشعاره لجلال ربه وجماله.
فالذكر يرقق القلوب القاسية، ويجلب الدموع الصادقة التي تحرم الوجه على النار، وتغسل أدران الذنوب والخطايا التي تراكمت في غفلة الأيام.
فما أحوجنا في هذا العصر المادي المليء بالمشتتات والملهيات إلى أن نلهج بذكر الله لنجد السكينة التي فقدها الكثيرون في لهاثهم خلف الدنيا.
وختاما فإن هذا الكتاب المبارك، الأربعين النووية مع زيادة ابن رجب، قد حوى أصول الدين وقواعد الشريعة وجوامع الكلم النبوية الشريفة.
فمن حفظه وفهمه وعمل بما فيه، فقد حاز خيرا كثيرا، وأسس دينه على بنيان متين، وعرف معالم الحلال والحرام وحسن الأخلاق.
فالواجب على كل مسلم وطالب علم أن يجعل هذا المتن نصب عينيه، وأن يتعاهده بالمدارسة والتفقه، وأن ينقله للأجيال اللاحقة بأمانة وصدق.
فإن فيه دواء للأمراض القلبية والاجتماعية، ومنهجا متكاملا لبناء الفرد الصالح والمجتمع الراقي الذي ينشده الإسلام الحنيف ويسعى لتحقيقه.
نسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا ممن تستنير قلوبهم بذكره، وتلهج ألسنتهم بشكره، وتستقيم جوارحهم على طاعته وحسن عبادته في كل حين.
وأن يجزي الإمامين النووي وابن رجب والعلماء الشراح عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وأن يجمعنا بهم في مستقر رحمته مع النبيين والصديقين.
وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله، صادقين مخلصين بها.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه المنعم المتفضل.