جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذا الحديث العظيم الذي يمثل قاعدة كبرى في أبواب النكاح.
وهو من الأحاديث الجامعة التي تدور عليها أحكام الرضاع وانتشار المحرمية بين أفراد المجتمع المسلم.
والمراد بالرضاعة هنا الإرضاع، وهو شرب الرضيع لبن امرأة في الحولين الأولين من عمره حسب القول الراجح.
وقوله تحرم ما تحرم الولادة، يعني أن الرضاع ينشر الحرمة كما ينشرها النسب المتولد من الولادة الشرعية.
فكما أن الولد يحرم عليه الزواج من أقاربه من جهة النسب، فكذلك يحرم عليه الزواج من أقاربه من جهة الرضاعة.
وهذا الحكم المتمثل في تحريم النكاح وتوابعه بالرضاع هو محل إجماع واتفاق بين أئمة الأمة وعلمائها.
فالمرضعة تنزل منزلة الأم، وأولادها إخوة للرضيع، وتنتشر الحرمة لتشمل الخلوة المباحة والسفر والنظر.
فيجوز للرضيع إذا كبر أن يخلو بمرضعته وبناتها كما يخلو بأمه وأخواته من النسب، تساهلا ورحمة من الشرع.
ولكن يجب التنبه إلى أن الرضاع لا يثبت به جميع أحكام الأمومة والنسب في شريعتنا الإسلامية الغراء.
فالرضاع لا يترتب عليه التوارث بين الرضيع والمرضعة، فلا يرث أحدهما الآخر إذا مات باتفاق العلماء.
وكذلك لا يجب بالرضاع الإنفاق والنفقة المالية، ولا العتق بالملك، ولا إسقاط القصاص إذا اعتدى أحدهما.
فالتحريم مقصور على أبواب النكاح وما يتبعه من الخلوة والمحرمية، كما دقق ذلك الإمام النووي وابن حجر.
ومن طرائف العلم الدقيقة ما أفتى به حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مسألة لبن الفحل.
حيث سئل عن رجل له زوجتان، فأرضعت إحداهما طفلا، وأرضعت الأخرى طفلة، فهل يحل لهما الزواج؟
فأجاب فورا بالمنع وقال لا، اللقاح واحد، يعني أن مصدر اللبن من الزوجتين هو زوج واحد وهو أبوهما من الرضاعة.
فالطفلان يعتبران أخوين من الأب من الرضاعة، فلا يحل زواجهما، وهذا يثبت انتشار الحرمة من جهة صاحب اللبن.
وقد استدلت عائشة رضي الله عنها بهذا المبدأ فكانت تقول حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب.
وهذا الحديث برزت أهميته وتطبيقه في قصة أفلح أخي أبي القعيس حين استأذن على عائشة بعد فرض الحجاب.
فرفضت عائشة أن تأذن له بالدخول عليها لأنها لم ترتضع منه مباشرة، بل من امرأة أخيه أبي القعيس.
فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم برفضها، فبين لها النبي أن أفلح هو عمها من الرضاعة ويحق له الدخول.
وقال لها ائذني له فإنه عمك تربت يمينك، فأقر النبي انتشار المحرمية لقرابة الزوج صاحب اللبن المسبب للرضاع.
فأخو الزوج يصبح عما للرضيع، وأخت الزوج تصبح عمته، وأبو الزوج يصبح جده من الرضاعة بلا ريب.
وهذا ما يسمى في الفقه الإسلامي بلبن الفحل، وهو مذهب جمهور الصحابة والعلماء سلفا وخلفا.
وبهذا تتسع دائرة المحارم لتشمل أصول وفروع وحواشي المرضعة وزوجها، مما يسهل التواصل الاجتماعي العفيف.
وقد ضبط الحافظ ابن رجب قواعد المحرمات من النسب والرضاع بعبارة جامعة مانعة تريح طالب العلم.
فقال يحرم على الإنسان أصوله وفروعه، وفروع أصله الأدنى وإن سفلن، وفروع أصوله البعيدة دون بناتهن.
فيدخل في أصوله الأم وأم الأم وأم الأب وإن علون، ويدخل في فروعه بنته وبنت ابنه وبنت بنته وإن نزلن.
ويدخل في فروع أصله الأدنى أخواته الشقيقات ولأب ولأم، وبناتهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلن.
ويدخل في فروع أصوله البعيدة العمات والخالات وعمات الأبوين وخالاتهما وإن علون في شجرة النسب.
ولم يبق من الأقارب حلالا سوى أصول فروعه البعيدة، وهن بنات العم وبنات العمات وبنات الخال والخالات.
فهذه القاعدة تضبط المحرمات من النسب، وتطبق حذو القذة بالقذة على المحرمات من الرضاعة تماما.
لأن النص النبوي قاطع بأن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة، وهو ميزان دقيق لا يختل ولا يتناقض أبدا.
ومن الفوائد العظيمة التي استنبطها الإمام ابن القيم من هذا الحديث مسألة نكاح المخلوقة من ماء الزاني.
فقد استدل بقوة على تحريم البنت المتولدة من الزنا على أبيها الزاني، خلافا لبعض الأقوال المرجوحة.
فقال إن تحريم لبن الفحل يدل على تحريم المخلوقة من ماء الزاني دلالة الأولى والأحرى بلا أدنى شك.
لأنه إذا حرم على الرجل أن ينكح فتاة تغذت بلبن ثار بوطئه، فكيف يحل له نكاح من خلقت من مائه ونطفته؟
وكيف يحرم الشارع بنته من الرضاع لكون وطئه سببا في اللبن، ثم يبيح له نكاح من هي بضعة منه قطعا؟
فهذا من المستحيل في منطق الشريعة، لأن التبعيضية في المخلوقة من مائه أكمل وأتم من التبعيضية بالرضاع.
فبنت الرضاع فيها جزء يسير من البعضية، أما المخلوقة من مائه فنصفها أو أكثرها بضعة منه يقينا وحقيقة.
وهذا هو قول جمهور المسلمين، ولم يعرف في الصحابة من أباح مثل هذا النكاح الشنيع المستنكر فطرة وشرعا.
وقد نص الإمام أحمد رحمه الله بحزم على أن من تزوج ابنته من الزنا يقتل بالسيف سواء كان محصنا أم غير محصن.
لأن فعله هذا يعد انتهاكا صارخا لمحارم الله، وتعديا على الفطر السوية، ورجوعا إلى جاهلية جهلاء.
وينبغي في هذا المقام تبرئة ساحة الإمام الشافعي رحمه الله مما ينسب إليه زورا من إباحة هذا النكاح الباطل.
فلم يثبت عنه أنه أباح نكاح البنت من ماء الزنا كما يتندر به بعض الخصوم في الأشعار والقصائد الركيكة.
وغاية ما ورد عنه في كتب أصحابه استعماله لمصطلح أكره، وهذا المصطلح عند أئمة السلف يفيد التحريم القاطع.
كما قال تعالى في سورة الإسراء بعد ذكر المحرمات كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها، أي محرمات شديدة.
فمصطلح الكراهة قديما يختلف عن دلالته الاصطلاحية المتأخرة التي تعني ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.
فيجب فهم كلام الأئمة في ضوء أعرافهم اللغوية، لئلا ننسب إليهم أقوالا تتنافى مع جلال قدرهم وعمق فقههم.
إن تشريع الرضاع في الإسلام يحمل حكما اجتماعية وأخلاقية بالغة الدقة، تساهم في بناء مجتمع طاهر نقي.
فالرضاع ينقل الخصائص والطباع من المرضعة إلى الرضيع، ولهذا أمر الشرع باختيار المرضعة الصالحة دينا وخلقا.
كما أن الرضاع يوسع دائرة المحارم، مما يتيح التكافل والمودة بين العائلات والقبائل، ويزيل الحواجز الاجتماعية.
ويجب على الأمهات توثيق حالات الرضاع بدقة، ومعرفة من رضع من أبنائهن ومع من رضعوا، حفظا للأنساب.
فإن التساهل في هذا الأمر قد يؤدي إلى كوارث كأن يتزوج الأخ بأخته من الرضاعة وهو لا يعلم، وهذا محرم وبطلان للعقد.
وقد خصص الفقهاء أبوابا مفصلة لبيان شروط الرضاع المحرم، كعدد الرضعات، وكونها مشبعة، وفي فترة الحولين.
والراجح من أقوال العلماء أنها خمس رضعات مشبعات متفرقات، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المفصلة.
فهذا الحديث أصل عظيم يبنى عليه صرح من الأحكام التي تصون الأعراض وتحمي المجتمع من الانحلال والاختلاط المحرم.
وختاما، يبرز دور المرأة المسلمة في هذا الحديث من خلال فقه عائشة رضي الله عنها وحرصها على حدود الله.
فلم تأذن لأفلح بالدخول حتى استفتت رسول الله، تورعا واحتياطا لدينها، مع أن الأمر قد يبدو بديهيا لغيرها.
وهذا يعلمنا التوقف عند المشتبهات، وسؤال أهل العلم قبل الإقدام على تصرف قد يوقعنا في المخالفة الشرعية.
فالعلم بالدين فريضة، والتفقه في أحكام النكاح والمحارم ضرورة لا غنى عنها لكل أسرة مسلمة تريد النجاة.
نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يحفظ أعراضنا وأنسابنا من كل سوء واختلاط محرم.
وأن يجزي أئمة الإسلام عنا خير الجزاء لما بينوه من دقيق الأحكام، ولما حفظوه من سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وأن يرزقنا اتباع هدي أمهات المؤمنين في الورع والتقوى، والحرص على مرضاة الله في كل حركاتنا وسكناتنا.
وأن يجعل هذا العلم حجة لنا لا علينا، وأن ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.