جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن معلما وموجها للناس.
واليمن إقليم معروف جغرافيا يقع ما يامن الكعبة إلى منتهى شبه الجزيرة العربية، وكان به أهل كتاب وقبائل تحتاج للتعليم.
وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل أيضا إلى اليمن وكان في أعلاها، بينما كان أبو موسى في أسفلها جهة عدن.
فلما أراد أبو موسى الذهاب، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشربة تصنع بها في بلده، ليتفقه في أحكامها قبل أن يسأل عنها.
وهذا يدل على فطنة الداعية، حيث يستبق الأمور ويتعلم ما يتوقع أن يسأل عنه من نوازل وعادات أهل البلد الذي يذهب إليه.
فقال له النبي وما هي؟ فذكر أبو موسى البتع والمزر، وهي أسماء لأشربة محلية معروفة عند أهل اليمن في ذلك الزمان الغابر.
فسئل أبو بردة لاحقا وما البتع؟ ففسره بأنه نبيذ العسل، وهو أن ينقع العسل في الماء ويترك حتى يشتد ويتخمر ويصبح مسكرا.
وفسر المزر بأنه نبيذ الشعير، ينقع في الماء حتى يشتد ويسكر، ومجرد الانتباذ بلا إسكار مباح، أما إذا اشتد وأسكر فيحرم شربه.
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقاعدة كلية جامعة مانعة تريح المفتي وتقطع النزاع، فقال كل مسكر حرام بلا استثناء أو تخصيص.
وهذا الحديث يعتبر من الأحاديث التي عليها مدار الفقه في أبواب الأشربة، وقد تواترت الأحاديث عن النبي بهذا المعنى القطعي.
فقوله كل مسكر حرام ضابط عظيم، يبين أن العلة في التحريم هي الإسكار وإذهاب العقل، وليس المادة المصنوع منها المشروب.
فأي مشروب خامر العقل وغطاه، سواء كان من العنب أو التمر أو العسل أو الشعير أو الذرة، فهو خمر محرم قطعا وإجماعا.
وبهذا الضابط رد العلماء والمحققون على طائفة من علماء الكوفة الذين خصوا اسم الخمر بما صنع من العنب فقط دون غيره.
وزعموا أن ما عدا خمر العنب لا يحرم منه إلا القدر الذي يسكر بالفعل، أما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم شربه عندهم تأويلا.
وقد أنكر علماء الأمصار هذا القول الشاذ قديما وحديثا، واعتبروه مصادما للنصوص النبوية الصريحة التي تعمم التحريم على كل مسكر.
كما أنكر الإمام أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك وجود أي رخصة صحيحة في هذا الباب، وردوا هذه التأويلات الضعيفة بقوة وحزم.
والمسكر مأخوذ من الإسكار لأنه يغطي العقل ويذهبه، وقد قسمه الحافظ ابن رجب وطوائف من أهل العلم إلى قسمين رئيسيين دقيقين.
القسم الأول هو المسكر الذي فيه لذة وطرب ونشوة للمتعاطي، فهذا هو الخمر المحرم شربه إجماعا، ويحد شاربه حدا شرعيا زاجرا.
وسواء كان هذا المسكر جامدا أو مائعا، مطعوما أو مشروبا، مصنعا من حب أو ثمر أو تفاعل كيميائي، فالعبرة بوجود علة الإسكار والطرب.
والقسم الثاني هو ما يزيل العقل ويسكر ولكن لا لذة فيه ولا طرب كالبنج والمخدرات الطبية، فهذا له تفصيل وأحكام تختلف عن الخمر.
فإن تناوله المريض لحاجة التداوي وإجراء العمليات الجراحية، وكان الغالب منه السلامة وعدم الضرر، جاز استعماله للضرورة الطبية الملحة.
وإن تناوله لغير حاجة التداوي، فقد اختلف فقهاء الحنابلة وغيرهم، فذهب الأكثرون إلى تحريمه لأنه يزيل العقل لغير حاجة معتبرة شرعا.
وذهب آخرون إلى عدم تحريمه تحريما مغلظا كالخمر لانتفاء اللذة الداعية له، ولكن يعزر فاعله ولا يحد حد الخمر المنصوص عليه.
لأن الحد شرع للزجر عما تدعو النفوس إليه لالتذاذها به، والبنج لا طرب فيه يدعو لإدمانه، فهو كأكل الميتة يوجب التعزير لا الحد المقدر.
وبناء على هذا التفصيل، تتضح الرؤية حول التخدير الطبي المستخدم في المستشفيات المعاصرة لإجراء العمليات الجراحية وتخفيف الآلام.
فالعلماء المعاصرون واللجان الإفتائية كهيئة كبار العلماء أفتوا بجواز استخدام التخدير الموضعي أو الكلي للحاجة الطبية الماسة والضرورة.
لأن المصلحة المرجوة من إنقاذ حياة المريض أو علاجه أعظم من المفسدة المؤقتة لغياب عقله، والشريعة جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد.
ولكن برز تساؤل فقهي دقيق، هل يجوز استخدام هذا التخدير لمن يقام عليه حد شرعي كقطع يد السارق لتخفيف الألم عنه أثناء القطع؟
وقد أفتى كبار العلماء المعاصرين كالشيخ الفوزان بعدم جواز ذلك مطلقا، لأن المقصود من إقامة الحد هو إيجاد الألم والنكال لردع المجرم.
فلو خدر لم يتحقق مقصود الشارع من الزجر وإذاقة ألم العقوبة، ولكن لا مانع من حسم الجرح وعلاجه بعد القطع وإيقاف النزيف رحمة به.
فهذا التفريق يبرز دقة الموازنات الفقهية، التي تعطي لكل مقام حقه، وتقدر الضرورات بقدرها، وتحافظ على هيبة الحدود الشرعية الرادعة.
فالشريعة لم تشرع العقوبات للتعذيب المجرد، بل للتطهير والزجر، والتخدير يفرغ العقوبة من مضمونها الرادع للمجرم ولغيره من أفراد المجتمع.
ومن الفوائد التربوية المشرقة في هذا الحديث حرص الصحابة الكرام على استيضاح ما يشكل عليهم قبل الوقوع فيه وتخبطهم في الأحكام.
فأبو موسى الأشعري رضي الله عنه لم ينتظر حتى يواجه الواقعة في اليمن ثم يجتهد برأيه، بل استبق الأمر واستفتى المشرع الأعظم.
وهذا يعلمنا أهمية سؤال أهل الذكر والعلم الموثوقين في كل ما يعرض لنا من نوازل، خاصة في المعاملات الحديثة والمستجدات الطبية والمالية.
فالداعية والموظف والمبتعث يجب أن يتسلح بالعلم الشرعي الذي يحميه من الانزلاق في الشبهات ويجعله قدوة حسنة في محيطه ومجتمعه الجديد.
ومن الفوائد أيضا أن المفتي الناجح لا يكتفي بإجابة جزئية بل يعطي السائل قاعدة كلية تحل له مشكلته ومشكلات مشابهة قد تواجهه مستقبلا.
فالنبي لم يقل البتع حرام والمزر حرام فقط، بل أعطاه الضابط كل مسكر حرام، ليعتمده مع أي مشروب جديد يكتشفه في اليمن أو غيرها.
وهذا من جوامع الكلم التي تربي عقل المسلم على الاستنباط والقياس الصحيح، وتربط الفروع بأصولها المنطقية الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير.
فما أعظم هذا الدين الذي يبني العقول، ويحترم الفطرة، ويضع قواعد تضمن سلامة البشرية من الانحدار في مستنقعات الرذيلة وضياع العقل.
إن تحريم المسكرات في الإسلام يهدف إلى تحقيق مقصد من أعظم مقاصد الشريعة وهو حفظ العقل البشري من التلف والتغييب والانحراف.
فالعقل هو مناط التكليف، وميزان التكريم الذي فضل الله به الإنسان على سائر البهائم، فإذا غاب العقل هبط الإنسان إلى مستوى الدواب أو أضل.
وكل ما يؤدي إلى تغييب العقل أو تخديره لغير حاجة طبية، فهو محرم قطعا، ويدخل في هذا العموم كل أنواع المخدرات المعاصرة والمفترات.
بل يمتد التحريم ليشمل المواد الكيميائية والمستنشقات كالغراء والبنزين التي يتعاطاها بعض السفهاء لتغييب عقولهم، فكل ذلك حرام مهلك.
لأن العلة واحدة، والنتيجة واحدة، وهي تدمير العقل والصحة وضياع المال وتفكك الأسرة وارتكاب الجرائم البشعة تحت تأثير هذه المواد الخبيثة.
وقد أحسن ابن الوردي حين قال في لاميته واترك الخمرة إن كنت فتى، كيف يسعى في جنون من عقل، مستنكرا على العاقل أن يشتري الجنون بماله.
فالمسلم مكلف بحماية عقله وبدنه، ومسؤول أمام الله عن شبابه وماله، ولا عذر له في تتبع رخص واهية تبيح القليل من المسكر وتتساهل فيه.
فما أسكر كثيره فقليله حرام، حماية للبدايات التي تقود حتما للتعود والإدمان، وهذا من إعجاز التشريع الذي يسد منافذ الفساد من جذورها.
وختاما، فإن هذا الحديث يقيم حجة واضحة على كمال الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، واستيعابها لكل النوازل والمستجدات.
فالقاعدة النبوية كل مسكر حرام صامدة في وجه التطور الصناعي الهائل الذي ينتج يوميا آلاف المشروبات والمركبات بأسماء وأشكال مختلفة جذابة.
فلا يهمنا الاسم التجاري للمشروب، بل يهمنا تأثيره على العقل، فإن كان مسكرا فهو حرام ولو سموه بغير اسمه أو ادعوا أنه مشروب طاقة أو روحاني.
وهذا الفهم العميق يحصن شباب الأمة من الانخداع بحملات الترويج الماكرة التي تستهدف عقولهم وأموالهم وتدمر مستقبلهم وقوتهم وطاقاتهم.
ويجب على العلماء والدعاة والمربين أن يبثوا هذا الوعي في المجتمع، وأن يحذروا من كل مادة تخدر العقل أو تضعف الإدراك والإرادة السوية.
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ علينا عقولنا وأدياننا، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجنب مجتمعاتنا آفات المخدرات والمسكرات.
وأن يهدي ضال المسلمين، وأن يوفقنا جميعا للتمسك بسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرشدنا لكل خير وحذرنا من كل شر مهلك.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى.