جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
يروي الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا الحديث الذي يعد من الأحاديث الجوامع في البيوع.
وهو حديث عظيم جليل القدر، يضبط أبواب التجارة والمعاملات، وقد اعتنى به الفقهاء عناية فائقة في مصنفاتهم.
وقد قيل هذا الحديث عام الفتح، أي في العام الثامن للهجرة حين فتح الله مكة المكرمة على رسوله والمسلمين.
وهذا التوقيت له دلالة عميقة، حيث أعلن النبي تطهير البلد الحرام من كل مظاهر الجاهلية والشرك والفساد المالي.
فقال إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فهذه الأعيان الأربعة محرمة العين والبيع والتداول.
والخمر هي كل ما خامر العقل وغطاه، والميتة هي كل حيوان زالت عنه الحياة بغير ذكاة شرعية معتبرة أو مات حتف أنفه.
وضبطت الميتة بفتح الميم لتدل على الحيوان الميت، بخلاف المِيتة بكسر الميم التي تدل على الهيئة والصفة كالميتة الجاهلية.
والخنزير حيوان خبيث محرم العين واللحم والبيع بالإجماع، والأصنام هي التماثيل التي تعبد من دون الله وتصرف لها العبادة.
فلما سمع الصحابة هذا التحريم القاطع، بادروا بالسؤال عن حالة مستثناة اعتادوا عليها في حياتهم العملية وتجارتهم.
فقالوا يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ أي أخبرنا عن حكم شحوم الحيوانات الميتة التي نستخدمها في منافعنا اليومية.
فإنه يطلى بها السفن لمنع تسرب الماء، ويدهن بها الجلود لتليينها، ويستصبح بها الناس أي يشعلونها في مصابيحهم للإضاءة.
وهذا السؤال يدل على فقه الصحابة، حيث أرادوا التفريق بين بيع العين المحرمة للاستهلاك وبين بيعها للمنافع الأخرى.
فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بجواب حاسم مانع يغلق باب التأويل والتساهل، فقال لا، هو حرام قطعا.
وقد اختلف العلماء في مرجع الضمير هو في قوله هو حرام، هل يعود على البيع أم يعود على مجرد الانتفاع بالشحوم.
فذهب الإمام الشافعي والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والصنعاني إلى أن التحريم منصب على البيع.
أي أن بيع الشحوم حرام، أما الانتفاع بها في طلاء السفن والمصابيح فهو مباح، لأن المحرم هو التكسب من الأعيان النجسة.
وقد استدل الإمام الخطابي على جواز الانتفاع بإجماع العلماء على أن من ماتت له دابة جاز له إطعامها لكلاب الصيد.
وهذا إطعام للميتة وانتفاع بها دون بيعها، مما يؤكد أن المنع في الحديث يتوجه لمعاوضتها بالمال وأخذ ثمنها بخبث.
ويقوي هذا الفهم تعقيب النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث بذمه لليهود، حيث قال قاتل الله اليهود.
إن الله حرم عليهم الشحوم، فأجملوه، أي أذابوه واستخرجوا دهنه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه، فتحايلوا على شرع الله.
فذمهم النبي على البيع وأكل الثمن، ولم يذمهم على مجرد الانتفاع، مما يرجح أن قوله هو حرام يعود على عقد البيع.
وهذا يدل على أن الشريعة تسد ذرائع الفساد، وتمنع الحيل التي تهدف إلى تحليل ما حرم الله بالطرق الملتوية الخادعة.
فالمقاصد في العقود معتبرة، وتغيير صورة الشيء النجس لا يغير حكمه ولا يبيح بيعه ما دام أصله محرما بنص الشارع.
وبهذا الفهم الدقيق تنتظم أحكام البيوع، ويمنع المسلمون من التورط في مكاسب خبيثة تدمر بركة أموالهم وتفسد مجتمعاتهم.
إن تحريم بيع هذه الأشياء الأربعة مبني على مفاسدها الظاهرة المدمرة لأبدان الناس وعقولهم وعقائدهم وأخلاقهم.
فالميتة والخنزير مستقذرات تحمل الأمراض وتضر بالصحة البشرية، وتحريم بيعها حماية للبدن من الأذى والأسقام والأوبئة.
والخمر مذهبة للعقل الذي هو مناط التكليف، ومفتاح لكل شر، وتحريمها حماية للعقول والأعراض والأموال من الضياع والتبدد.
والأصنام مفسدة للأديان، وذريعة للشرك بالله، وتحريم بيعها حماية لجناب التوحيد وسد لأبواب الوثنية والتعلق بغير الله.
وهكذا تتجلى حكمة التشريع الإسلامي في تحريم وسائل الهدم، وحفظ الضروريات الخمس التي تقوم عليها حياة البشرية واستقرارها.
فكل عين حرم الله تناولها أو الانتفاع بها، فإن بيعها محرم تبعا لذلك، لأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه كما نصت الأحاديث.
وهذا الأصل يسري على كل مستجدات العصر من المخدرات والمفترات والمجلات المفسدة والأدوات التي لا تستخدم إلا في الحرام.
فالتاجر المسلم يجب أن يطهر تجارته من كل شبهة، وأن يراقب الله في ما يبيعه ويشتريه، ليكون ماله حلالا زلالا تنزل فيه البركات.
ومن القواعد الجليلة المستنبطة من هذا الحديث أن الأصل في العادات والمعاملات والمنافع الإباحة والحل والاتساع.
كما يقول الناظم والأصل في عاداتنا الإباحة حتى يجيء صارف الإباحة، والأصل في الأعيان الطهارة ما لم يقم دليل نجاستها.
فالشريعة لم تضيق على الناس في بيوعهم وتجاراتهم، بل فتحت لهم أبواب الحلال الواسعة، ولم تحرم إلا الخبائث المضرة بهم.
وما استثني من التحريم في هذا الباب فقد جاء به النص، كاستثناء السمك والجراد من عموم تحريم الميتة بحديث صحيح.
فقد أحل لنا ميتتان ودمان، الميتتان هما الحوت والجراد، والدمان هما الكبد والطحال، وهذا من التيسير ورفع الحرج.
أما الأصنام، فقد فصل العلماء في حكم بيعها بعد تكسيرها وتغيير صورتها لتعود مادة خاما كخشب أو ذهب أو فضة مقطعة.
فأجازوا بيع مادتها بعد زوال هيئة الصنم المعبود، لأن علة التحريم هي الصورة المعبودة، فإذا زالت زال التحريم تبعا لها.
وهذا يؤكد أن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، وأن الفقه الإسلامي دقيق في تفريعاته ومقاصده، ولا يقف عند الحرفية الجافة.
وفي هذا الحديث تحذير شديد ونهي غليظ عن استخدام الحيل الموصلة إلى تحليل ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله.
فقد سخط الله على اليهود ولعنهم لأنهم تلاعبوا بأوامره، فحين حرم عليهم الشحوم لم يأكلوها مباشرة، بل أذابوها وباعوها.
فهم ظنوا بجهلهم ومكرهم أن تغيير صورة الشحم يعفيهم من التحريم، ولكن الله الذي يعلم خائنة الأعين عاقبهم على مكرهم السيء.
وقد ألف العلماء كتبا في التحذير من الحيل الباطلة، ككتاب بيان الدليل على إبطال التحليل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فالحيل في أبواب الربا والبيوع والنكاح محرمة ومردودة على أصحابها، والمكر السيء لا يحيق إلا بأهله في الدنيا والآخرة.
فمن سمى الربا فوائد، أو سمى الخمر مشروبات روحية، لم يحللها بذلك، فالأسماء لا تغير الحقائق في ميزان الشرع المطهر.
والمسلم مطالب بالصدق والشفافية في تعاملاته، والابتعاد عن التلاعب بألفاظ العقود وصورها للفرار من الأحكام الربانية.
فالله لا يخدع، ومن خادع الله خادعه وأوقعه في شر عمله، والدين النصيحة والوضوح والالتزام الصادق الباطن والظاهر.
ويعلمنا هذا الحديث أن التشريع حق خالص لله ولرسوله، فقوله إن الله ورسوله حرم يثبت أن السنة النبوية مصدر مستقل للتشريع.
فما حرمه الرسول كحرمة ما حرمه الله في القرآن، ولا يجوز التفريق بينهما كما يزعم بعض المنحرفين الذين يسمون أنفسهم بالقرآنيين.
فطاعة الرسول من طاعة الله، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والتسليم لأحكامه من صميم الإيمان وعلامة صحته.
كما يدل الحديث على جرأة الصحابة في طلب العلم والسؤال عما يشكل عليهم في حياتهم العملية، دون حرج أو تردد.
وهذا هو دأب طالب العلم الناصح لنفسه، أن يستفسر عن دقائق الأمور ليضبط معاملاته على وفق مراد الله ومقاصد شريعته.
ولا ينبغي للمسلم أن يستحيي من السؤال عن الحلال والحرام، فالدين لم ينزل ليعرقل الحياة بل لينظمها ويطهرها من الفساد.
وكلما زاد علم التاجر بأحكام البيوع، قل وقوعه في المآثم، وقد كان عمر بن الخطاب يضرب من يبيع في السوق وهو يجهل أحكام البيع.
حتى لا يقع في الربا ويوقع الناس معه، فالعلم فريضة تسبق العمل، والبصيرة نور يقود المسلم للنجاح المادي والفلاح الأخروي.
وختاما، فإن هذا الحديث يمثل دعوة صريحة لبناء اقتصاد إسلامي نظيف، خال من التدليس والغش واستغلال المحرمات لجمع الثروة.
فالمال الحرام يذهب بركته، ويمحق صاحبه، ولا يتقبل الله منه صدقة، ويكون زادا له إلى النار إن لم يتب ويتخلص منه.
والمجتمع الذي يسمح بتداول المحرمات مجتمع مهدد بالانهيار القيمي والأخلاقي، وتنتشر فيه الجريمة والأمراض الفتاكة بلا رادع.
فحماية السوق من السلع الخبيثة هو واجب ديني ووطني، يتطلب وعيا من التجار وحزما من الجهات الرقابية لمنع المفسدين من العبث.
وليكن يقيننا راسخا بأن ما أباحه الله فيه الغنية والكفاية، وأن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه في رزقه وصحته وعياله.
نسأل الله أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وأن يبعد عنا شرور الماكرين والمحتالين، وأن يجعل رزقنا طيبا مباركا فيه أينما كنا.
وأن يوفقنا لفهم شرعه والعمل بمقتضاه، وأن يجنبنا مسالك المغضوب عليهم والضالين، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الذي أرشدنا لكل خير، وحذرنا من كل شر، وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله.