جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث ثاني الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مبينا قاعدة عظيمة في التوكل.
وهذا الحديث أصل أصيل في باب التوكل على الله، الذي هو من أجل أعمال القلوب وأعظم مقامات الدين واليقين.
وقد صححه أئمة الحديث كابن حبان والحاكم والترمذي وابن خزيمة، وتلقته الأمة بالقبول واعتمدته في التوجيه والسلوك.
والتوكل في لغة العرب هو التفويض والاعتماد، وحقيقته الشرعية هي صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في جلب المصالح.
ودفع المضار الدنيوية والأخروية، مع الأخذ بالأسباب المشروعة المأذون فيها، وهذا القيد الأخير ضروري جدا لفهم التوكل.
فالتوكل نصف الدين، والنصف الآخر هو الإنابة، كما قرر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارجه ومصنفاته العظيمة.
فالعبادة إنابة، والاستعانة توكل، ولا يتحقق السير إلى الله إلا بمركب التوكل، فمن فقده انقطع في منتصف الطريق وعجز.
فلا نجاح في أمر، ولا فلاح في مقصد، إلا بتفويض الأمر لمدبر الأمر، واليقين التام بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم لو أنكم توكلون على الله حق توكله، وحق التوكل هو الاعتماد الصادق الخالي من الشرك والالتفات للمخلوقين.
فلا يعلق قلبه بالسبب، بل يعلقه بمسبب الأسباب جل جلاله، موقنا أن الأسباب لا تعمل إلا بإذن الله ومشيئته وقدرته.
وجواب هذا الشرط هو قوله لرزقكم كما يرزق الطير، فضرب النبي مثلا عجيبا محسوسا يراه الناس كل يوم في حياتهم المبكرة.
فالطير من أضعف المخلوقات، لا تملك خزائن تدخر فيها، ولا وظائف تعتمد عليها، ولا عقولا تخطط بها لمستقبلها البعيد.
ولكنها تملك فطرة سليمة وتوكلا حقيقيا على خالقها، فتخرج من أوكارها كل صباح سعيا خلف رزقها المكتوب لها في اللوح المحفوظ.
تغدو خماصا، أي تخرج في الغداة وهو أول النهار، وخماصا أي جائعة خاوية البطون، ليس فيها حبة طعام واحدة تسد جوعها.
وتروح بطانا، أي ترجع في الرواح وهو آخر النهار، وبطانا أي ممتلئة البطون، شبعانة ريانة، قد ساق الله لها قوتها ورزقها.
فهذا المثال يجسد الجمع بين الاعتماد القلبي وبين السعي الجسدي، فالطير لم تجلس في أعشاشها تنتظر هبوط الرزق من السماء.
بل تحركت وبذلت السبب وطارت تبحث في الأرض، وهذا يقطع دابر الفهم السقيم الذي يظن أن التوكل يعني البطالة والكسل.
فمن ترك الأسباب بحجة التوكل فقد طعن في الشريعة ونقص في العقل، ومن اعتمد على الأسباب وحدها فقد أشرك ونقص في التوحيد.
فالتوكل الصحيح هو عمل القلب، والأخذ بالأسباب هو عمل الجوارح، ولا تعارض بينهما البتة في ميزان الإسلام الصحيح.
ولذلك كان الأنبياء وهم سادات المتوكلين يأخذون بالأسباب، فنوح صنع السفينة، وموسى ضرب البحر بعصاه، ومحمد لبس درعين في الحرب.
وكل ذلك لم ينقص من توكلهم مثقال ذرة، بل زادهم إيمانا وعبودية لله الذي أمرهم باتخاذ الأسباب المشروعة في الحياة.
وقد دخل عمر بن الخطاب المسجد فوجد قوما قابعين لا يعملون، فسألهم من أنتم؟ قالوا نحن المتوكلون، فقال بل أنتم المتأكلون.
ثم ضربهم بدرته وأمرهم بالخروج لطلب الرزق وقال لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة.
فهذا الفهم العمري الثاقب هو الذي بنى حضارة المسلمين، حين جمعوا بين صفاء القلوب بالتوكل ونشاط الجوارح بالعمل الجاد.
ومن أعظم ثمرات التوكل على الله الرضا بقضائه وقدره، فمن وكل أمره لله بصدق، رضي بكل ما يختاره الله له في حياته.
فإن جاءه ما يسر شكر، وإن أصابه ما يضر صبر، لعلمه أن مدبره هو الله الحكيم الخبير الذي لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له.
ولذلك كان السلف كالحسن البصري والفضيل بن عياض يفسرون التوكل بالرضا، لأن الرضا هو النتيجة الطبيعية والحتمية لصدق التفويض.
ومن ثمرات التوكل أيضا أنه أقوى أسباب جلب الرزق، فالله تكفل برزق المتوكلين، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، أي كافيه وناصره.
فالرزق مقسوم والأجل محتوم، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب كما أوصى النبي الكريم.
فلا يحملكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته وحسن التوكل عليه في كل الأمور.
والمتوكل يعيش في طمأنينة وهدوء أعصاب، لا يقلق على المستقبل، ولا يحزن على الماضي، بل يعيش يومه مستعينا بربه الأعلى.
وهذه السكينة النفسية هي التي يفتقدها الماديون اليوم، الذين علقوا قلوبهم بالأسباب فتاهوا في بحار القلق والاضطراب والاكتئاب المستمر.
وقد أشار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى لفتة دقيقة في هذا الحديث، وهي استدلاله على أن الطيور والمخلوقات تعرف ربها وتسبحه.
فهي تخرج متوكلة عليه، وهذا يوافق قوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا.
فالكون كله ينطق بوحدانية الله ويعترف بربوبيته، والإنسان الغافل هو الذي يخرج عن هذه المنظومة الكونية المتناغمة بجهله.
كما يبرز الحديث أهمية التبكير في طلب الرزق، فالطيور تغدو، والغدو يكون في الصباح الباكر، وهو وقت البركة والنشاط وتوزيع الأرزاق.
وقد دعا النبي لأمته فقال اللهم بارك لأمتي في بكورها، فالمسلم النشيط يبدأ يومه بصلاة الفجر ثم ينطلق لعمله متوكلا على الله.
وليس من التوكل النوم إلى الظهر تضييعا للوقت وتكاسلا عن أداء الواجبات والسعي لكسب العيش الحلال وإعالة النفس والأسرة.
فديننا دين همة وعمل، يرفض التواكل والاتكال على الآخرين، ويدعو لبناء مجتمع منتج قوي يستغني عن سؤال اللئام.
والمسلم القوي بدينه وعمله المتوكل على ربه خير وأحب إلى الله من المسلم الضعيف البطال الذي يعيش عالة على مجتمعه.
ويجب التنبيه هنا إلى خطأ يقع فيه بعض الناس في التعبير عن التوكل، كأن يقول أحدهم توكلت على الله وعليك في قضاء حاجتي.
فقد أفتى العلماء كالعلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله بأن هذا التعبير لا يجوز، لأن التوكل عبادة قلبية لا تصرف إلا لله وحده.
فلا يجوز إشراك المخلوق فيها بحرف الواو الذي يقتضي التسوية، ولا حتى بحرف ثم، لأن المخلوق لا يتوكل عليه بل يوكل إليه الأمر.
فالصحيح أن يقول توكلت على الله، ثم وكلتك في قضاء كذا، فالتفويض المطلق للرب، والتوكيل النسبي للمخلوق في أداء عمل محدد.
وهذه الدقة في الألفاظ تحمي عقيدة المسلم من شوائب الشرك اللفظي، وتحافظ على نقاء التوحيد في القلب واللسان والجوارح.
فالتوكل سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو وقود الروح في مواجهة عواصف الابتلاءات والمحن اليومية.
وكلما زاد علم العبد بأسماء الله صفاته كالقوي والرزاق والحي القيوم، زاد توكله عليه، وعظم يقينه بقدرته الشاملة المحيطة بكل شيء.
فمعرفة الله هي الباب الأعظم لصدق التوكل، والجهل به هو سبب التعلق بالخلق والأسباب المادية الضعيفة الزائلة المضمحلة.
وختاما، فإن حديث عمر رضي الله عنه يعد مدرسة متكاملة في التوازن بين الروح والمادة، وبين العقيدة والعمل الجاد المثمر.
فهو يغرس في النفوس العزة بالله، ويحررها من رق العبودية للأسباب أو الخوف من أصحاب النفوذ والأموال في الأرض.
فالرزق بيد الله وحده، والطيور التي لا تعقل ترزق بيقينها، فالالإنسان العاقل المكرم أولى بأن يرزق إذا حقق شرط التوكل الصادق.
فلنجعل هذا الحديث شعارا لنا في كل صباح نخرج فيه لأعمالنا، مستحضرين حال الطيور في غدوها ورواحها واعتمادها التام.
لننقي قلوبنا من هموم الرزق وقلق المستقبل، ونركز جهودنا على إتقان العمل وأداء الأمانة التي طوقنا الله بها في دنيانا.
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا صدق التوكل عليه، وحسن الظن به، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، وأن يبارك لنا في أرزاقنا وأعمارنا.
وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا اليقين الذي يهون علينا مصائب الدنيا، إنه ولي ذلك والقادر عليه وحده سبحانه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد إمام المتوكلين، وسيد العاملين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.