جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، وهو حديث عظيم في حفظ صحة البدن.
وقد عده العلماء أصلا جامعا لأصول الطب كلها، وقاعدة ذهبية في الوقاية من الأمراض والأسقام الجسدية.
وحسنه الإمام الترمذي وغيره من الحفاظ، وتلقاه أطباء المسلمين وحكماؤهم بالقبول والإعجاب الشديد.
فالجسد مطية الروح، وإذا فسد الجسد بكثرة الأكل تعطل الإنسان عن سيره إلى ربه وعن أداء طاعاته.
ولهذا اعتنت الشريعة الإسلامية بآداب الطعام والشراب، ولم تترك المسلم فريسة لشهوات بطنه ونفسه.
فالإسلام دين التوازن الذي يعطي كل ذي حق حقه، فلا إفراط يرهق الجسد، ولا تفريط يضعف القوة.
وأساس الأمراض كلها ينبع من إدخال الطعام على الطعام، والتخمة التي تفسد المعدة وتثقل حركة الأعضاء.
فكان هذا التوجيه النبوي بمثابة الوصفة الوقائية التي تغني عن كثير من العلاجات والأدوية الطبية المعاصرة.
وقوله صلى الله عليه وسلم ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، تعبير بليغ يصور البطن كوعاء يملأ بالطعام.
ووصف هذا الوعاء بأنه شر الأوعية إذا امتلأ، لأن امتلاءه يورث الكسل والخمول ويثبط عن الطاعات.
فالبطنة تذهب الفطنة، وتورث قسوة القلب، وتحرك الشهوات الدنيئة في النفس البشرية وتوقظها من رقدتها.
ولم يحرم الإسلام الأكل والشرب، بل أباح الطيبات، ولكنه ذم الإسراف والشره الذي يتجاوز حد الاعتدال.
فالأصل أن يأكل الإنسان ليعيش ويتقوى على طاعة الله، لا أن يعيش ليأكل ويجعل بطنه أكبر همه وغايته.
فالمؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء، كما ورد في الحديث الصحيح عن النبي الأمين.
وهذا يدل على أن التقليل من الطعام صفة محمودة للمؤمن، وأن النهم وكثرة الأكل من صفات أهل الغفلة.
فمن أراد صفاء ذهنه، ورقة قلبه، وصحة بدنه، فليحذر من ملء هذا الوعاء بما يفيض عن حاجته الضرورية.
ثم حدد النبي صلى الله عليه وسلم القدر الكافي للإنسان فقال بحسب ابن آدم أكلات يقم صلبه.
أي يكفيه لقيمات معدودات تقيم ظهره، وتحفظ عليه قوته، وتمنعه من السقوط والضعف والهزال.
وهذا هو الحد الأدنى الذي تستقيم به الحياة، وهو مرتبة الحاجة التي ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله.
فالإنسان لا يحتاج لكميات هائلة من الطعام ليبقى صحيحا، بل القليل المفيد يكفي لتغذية الخلايا والأعضاء.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليه الهلال تلو الهلال ولا يوقد في بيته نار، إنما طعامه الأسودان.
وهما التمر والماء، ومع ذلك كان أقوى الناس بدنا، وأشجعهم قلبا، وأكثرهم عبادة وجهادا في سبيل الله.
فالقوة لا تقاس بكثرة الطعام، بل بالبركة فيه، وبصلاح المعدة وقدرتها على استخلاص المنافع من اللقيمات.
فمن التزم بهذا الهدي النبوي سلم من أمراض العصر كالسكري والضغط والسمنة المفرطة المسببة للمهالك.
ثم وسع النبي صلى الله عليه وسلم الدائرة لمن غلبته نفسه فقال فإن كان لا محالة، أي إن كان لابد من الزيادة.
فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه، وهذه هي مرتبة الكفاية التي تمنع التخمة وتتيح للجسد راحته.
فلا يملأ بطنه كله بالطعام، بل يقسم مساحة معدته إلى ثلاثة أقسام متساوية، ليترك مجالا للهضم والتنفس.
فإن ملأ البطن بالطعام والشراب ضاق عليه مجرى النفس، وأصابه الكرب والضيق، وثقلت حركته وتباطأت.
وهذه القسمة النبوية حيرت أطباء العصر الحديث بدقتها، فهي تضمن أداء الجهاز الهضمي لوظائفه بكفاءة عالية.
ولا يعني هذا أن يقيس الإنسان طعامه بالمكيال، بل هو توجيه للتقليل والتوقف عن الأكل قبل الوصول للشبع التام.
فإذا أحس الإنسان بالاكتفاء وبقاء رغبة يسيرة في الطعام، فليمسك يده، فهذا هو الثلث الذي يترك للنفس والهواء.
وبهذا الهدي تستريح المعدة، وينشط البدن، وتصح الأبدان، وتقل زيارات المستشفيات والاعتماد على الأدوية.
وقد يرد إشكال حول تعارض هذا الحديث مع بعض الأحاديث التي تفيد جواز الأكل والشرب حتى الشبع التام.
كحديث أبي هريرة رضي الله عنه حين أمره النبي بشرب اللبن، فشرب حتى قال لا أجد له مسلكا يا رسول الله.
فالجمع بينهما كما نص العلماء، أن حديث الثلث هو الأصل الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم في غالب أحواله وأيامه.
وأما الشبع الممتلئ فهو جائز في بعض الأحيان والمناسبات، كالضيافة والولائم، فلا حرج فيه إن لم يصبح عادة دائمة.
فالشبع النادر لا يضر البدن، ولا يتعارض مع القاعدة الطبية النبوية، بل هو من باب التوسعة المباحة في الشريعة.
كما أكل الصحابة بحضرة النبي مرارا حتى شبعوا، ولم ينكر عليهم، فدل على أن المذموم هو الدوام على التخمة وإدمانها.
وبهذا التفصيل الدقيق تزول الإشكالات، ويتضح فقه الجمع بين النصوص النبوية دون تعسف أو تكلف أو تناقض.
فالإسلام دين يسر، يراعي تقلبات النفس البشرية وحاجاتها، ويضبطها في إطار الاعتدال الذي يحفظ المصالح كلها.
وقد قسم الإمام ابن القيم رحمه الله مراتب الغذاء إلى ثلاثة أقسام مفيدة: مرتبة الحاجة، ومرتبة الكفاية، ومرتبة الفضلة.
فمرتبة الحاجة هي اللقيمات التي تقيم الصلب، ومرتبة الكفاية هي تقسيم البطن أثلاثا، وهاتان المرتبتان محمودتان شرعا وطبا.
وأما مرتبة الفضلة فهي الأكل فوق الشبع، وإدخال الطعام على الطعام، وهي مرتبة مذمومة مهلكة للجسد وممرضة للقلب.
فمن أراد صحة قلبه وبدنه فليقتصر على المرتبتين الأوليين، وليحذر من المرتبة الثالثة التي هي أصل الأدواء والأسقام.
وقد قال بعض الحكماء: المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد من طعام وشراب متوازن.
فالإسراف في الطعام إرهاق لأجهزة الجسم كالقلب والكبد والبنكرياس، مما يعجل بشيخوختها وتلفها قبل أوانها المقدر.
لذا كان من أعظم أسرار الصحة تقوى الله في البدن، وعدم إفساده بالشراهة، فالبدن أمانة يجب الحفاظ عليها ورعايتها.
وما أحوج مجتمعاتنا المعاصرة التي تفشت فيها ثقافة الاستهلاك والإسراف لتبني هذا المنهج النبوي الرشيد المتكامل.
إن تقليل الطعام له فوائد روحية عظيمة لا تقل أهمية عن فوائده الجسدية، فبه تكسر شوكة النفس الأمارة بالسوء.
فالجوع الخفيف يكسر كبرياء النفس، ويذكرها بضعفها وافتقارها لربها، ويجعلها أكثر تواضعا واستكانة لله عز وجل.
كما أنه يذكر الغني بحال الفقراء والمساكين الذين لا يجدون قوت يومهم، فيدفعه ذلك للرحمة بهم والصدقة عليهم.
ومن فوائده أنه يقلل من ساعات النوم، فمن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر خسرانا مبينا في دنياه وأخراه.
أما خفيف البطن فيكفيه القليل من النوم، ويقوم نشيطا لقيام الليل ومناجاة ربه، والتبكير في طلب الرزق الحلال.
وقد حذر السلف من الشبع المفرط، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة مفسدة للجسد.
فالعبادة تحتاج لجسد خفيف وروح وثابة، والتخمة تقيد الجسد بالأرض وتمنع الروح من التحليق في معارج القدس.
لذا كان الصيام شرعة ربانية عظيمة، ليس فقط للامتناع عن المفطرات، بل لتربية الإرادة وتطهير البدن والروح معا.
وختاما فإن حديث المقدام بن معدي كرب يعد دستورا صحيا متكاملا، لو طبقه الناس لعاشوا في عافية وسلامة دائمة.
فالطب النبوي لا يعتمد فقط على وصف الأدوية للأمراض، بل يسبق ذلك بوضع قواعد الوقاية التي تمنع حدوث المرض أصلا.
والوقاية خير من العلاج، وهذا الحديث يمثل قمة الوقاية الجسدية والروحية التي أرشد إليها نبي الرحمة صلوات الله عليه.
فيجب على كل مسلم أن يتأمل في هذا الحديث عند كل وجبة طعام، وأن يجعله ميزانا يزن به كمية ما يدخله لمعدته.
فلا يسرف ولا يفرط، بل يأكل من طيبات ما رزقه الله باعتدال، ويشكر المنعم على فضله وجوده وكرمه الذي لا ينفد.
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا القصد والاعتدال في أمورنا كلها، وأن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدا ما أحيانا.
وأن يعيننا على حفظ أمانة الجسد، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يقينا شرور أنفسنا وشهواتها، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.
وصلى الله وسلم وبارك على الطبيب الأول والمربي الأعظم نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.