جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، محذرا من صفات النفاق العملي.
وهو حديث عظيم يعتبر من الأحاديث الجامعة في وجوب استواء الظاهر والباطن، وتطابق الأقوال مع الأفعال.
وقد خافه الصحابة الكرام على أنفسهم أشد الخوف، فكان عمر يسأل حذيفة هل سماني لك رسول الله من المنافقين؟
وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن.
والنفاق لغة مأخوذ من النفق الذي له مخرجان، يظهر الدخول من أحدهما ويخرج من الآخر، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب.
والنفاق شرعا ينقسم إلى قسمين رئيسيين، نفاق اعتقادي أكبر، ونفاق عملي أصغر لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام.
فالنفاق الاعتقادي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار كعبد الله بن أبي بن سلول.
أما النفاق العملي فهو أن يتصف المسلم بخصال المنافقين العملية مع بقاء أصل الإيمان في قلبه وتصديقه بالله ورسوله.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، يقصد به النفاق العملي باجتماع هذه الخصال المذمومة.
فمن تخلقت نفسه بهذه الصفات الأربع، وصارت له ديدنا وعادة مستقرة، فقد شابه المنافقين في أسوأ طباعهم وأفعالهم.
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، وهذا يدل على أن الإيمان والنفاق قد يجتمعان في العبد.
فلا يخرج من الإسلام بمجرد الكذب أو إخلاف الوعد، ولكنه يرتكب كبائر الذنوب ويحمل شعبة من شعب الكفر العملي.
وهذا التفصيل يرد على طوائف الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالذنوب ويحكمون بخلود أصحاب الكبائر في النار.
كما يرد على المرجئة الذين يهونون من شأن المعاصي، فمنهج أهل السنة والجماعة وسط بين الغلو والتسيب والتفريط.
والعدد في قوله أربع لا مفهوم له يفيد الحصر، فقد ورد في أحاديث أخرى آية المنافق ثلاث، فالمراد التنبيه على أصولها.
وإنما خص هذه الأربع لخطورتها وكثرة وقوعها بين الناس، ولأنها أسس المعاملات التي تنبني عليها الثقة في المجتمع المسلم.
الخصلة الأولى التي ذكرها النبي هي قوله إذا حدث كذب، والكذب هو الإخبار بخلاف الواقع مع العلم به وتعمد ذلك.
وهو من أشنع الصفات التي تتنافى مع المروءة قبل الدين، فلا يطبع المؤمن على الكذب، فالكذب يهدي إلى الفجور والنار.
والمنافق يبني حياته على التزييف والخداع، فيكذب ليجلب منفعة أو يدفع مضرة، غير مبال باطلاع الله على سريرته.
والكذب في الحديث يشمل الكذب على الله ورسوله وهو أعظمه، والكذب على الناس في المعاملات والأخبار اليومية.
وكلما كان الكذب أشد إضرارا بالآخرين كان إثمه أعظم، كشهادة الزور والأيمان الفاجرة الكاذبة التي تقتطع بها الحقوق.
فالمسلم مطالب بالصدق في كل أقواله، حتى في مزاحه، فقد كان النبي يمزح ولا يقول إلا حقا، فالصدق طمأنينة ونجاة.
ومن تحرى الصدق كتب عند الله صديقا، ومن تحرى الكذب كتب عند الله كذابا، فليختر العبد لنفسه أي الدفترين يشاء.
وتكرار الكذب يطمس نور البصيرة، ويجعل القلب أسود مظلما لا يميز بين الحق والباطل، وهذه هي حقيقة النفاق المظلمة.
الخصلة الثانية هي قوله وإذا وعد أخلف، والوعد هو التعهد للغير بفعل خير أو إسداء منفعة في المستقبل المأمول.
وإخلاف الوعد هو عدم الوفاء به عمدا مع القدرة عليه، وهو خيانة للثقة التي منحك إياها أخوك المسلم حين صدقك.
أما من وعد وفي نيته الوفاء، ثم طرأ له طارئ قاهر منعه من الإنجاز، فلا يعد منافقا ولا يأثم لعذره الشرعي الواضح.
فالمذموم هو من يعد الناس وفي قلبه نية الإخلاف، أو من يتساهل في وعوده ولا يلقي لها بالا، كعادة السفهاء والمنافقين.
وقد أمر الله بالوفاء بالعهود والمواثيق فقال وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا، فالمؤمن إذا قال فعل، وإذا وعد صدق.
وإخلاف الوعد يقطع أواصر المودة، ويزرع الشك في المجتمع، ويجعل الناس في توجس دائم من بعضهم البعض.
لذا كان الوفاء صفة من صفات الأنبياء الكرام، كما أثنى الله على إسماعيل فقال إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا.
فمن أراد أن ينأى بنفسه عن صفات النفاق، فليكن حريصا على وعوده، حذرا من إطلاق الكلمات التي لا يقوى على الوفاء بها.
الخصلة الثالثة هي قوله وإذا خاصم فجر، والخصومة هي النزاع والجدال والمطالبة بالحقوق أمام القضاء أو في المجالس.
والفجور في الخصومة هو الميل عن الحق، وتجاوز الحدود في المطالبة، واللجوء إلى الكذب والسب والطعن في الأعراض.
فالمنافق إذا اختلف مع أحد نسي كل فضل سابق، وأفجر في خصومته، وافترى عليه ما لم يفعل، وبالغ في إيذائه وتشويهه.
وهذا يدل على دناءة النفس ولؤم الطبع، لأن العاقل الكريم يخاصم بشرف، ويقف عند حدود الحق، ولا يعتدي على خصمه.
أما الفاجر فيرى الخصومة معركة يجب أن يكسبها بأي ثمن، ولو بسحق كرامة الخصم واستخدام الأيمان الغموس الكاذبة.
وقد حذر النبي من الجدال والمراء فقال أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم، أي شديد الخصومة الذي لا يرجع للحق.
فالمسلم مطالب بالإنصاف حتى مع من يخالفه ويعاديه، لقوله تعالى ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى.
فمن فجر في خصومته فقد انسلاخ من التقوى، ولبس ثوب النفاق، وفضح نفسه أمام الخلائق بضيق صدره وسوء أخلاقه.
الخصلة الرابعة هي قوله وإذا عاهد غدر، والعهد هو الميثاق والاتفاق المبرم بين طرفين على أمر من الأمور الهامة.
والغدر هو نقض هذا الميثاق وخيانته سرا أو علانية دون مبرر شرعي، وهو من أبشع الجرائم الأخلاقية في الشريعة.
فالمنافق لا أمان له، يعاهدك اليوم ويغدر بك غدا إذا لاحت له مصلحة دنيوية، غير عابئ بعهد الله وميثاقه الغليظ.
والغدر محرم حتى مع الكفار المحاربين إذا أعطوا عهدا أو أمانا، فالمسلم لا يغدر ولا يخون، بل يفي بعهده ويحترم كلمته.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة عند استه، يقال هذه غدرة فلان بن فلان فضيحة له.
فيعرف الخلائق بخيانته، ويفتضح أمره في ذلك الموقف العصيب، جزاء وفاقا لما فعله من خيانة العهود في دار الدنيا.
والعهود تشمل العهود بين الدول، والعقود التجارية بين الأفراد، وعقود النكاح، بل وكل التزام يوجبه الشرع أو العرف الصحيح.
فمن تهاون في نقضها فقد وقع في شعبة من شعب النفاق العملي، وتخلى عن شيمة الوفاء التي هي تاج مكارم الأخلاق كلها.
إن التعبير النبوي بكلمة إذا في هذه الخصال الأربع يفيد التكرار والاطراد، أي أن هذه الصفات أصبحت ملازمة للشخص.
فكلما حدث كذب، وكلما وعد أخلف، فهذا الاطراد هو الذي يرسخ النفاق في القلب ويجعله طبعا أصيلا لا فلتة عابرة.
أما من وقع منه الكذب مرة أو أخلف وعدا في لحظة ضعف ثم تاب وأناب، فلا يوصف بأنه منافق خالص أو فيه خصلة نفاق مستقرة.
فالبشر خطاؤون، ولكن المذموم هو الاستمرار والإصرار على هذه الأخلاق الدنيئة وعدم المبالاة بعواقبها الوخيمة على النفس.
وهذا الحديث يقرع أجراس الخطر في قلب كل مسلم، ليعرض نفسه باستمرار على هذا الميزان الدقيق، ويفحص أقواله وأفعاله.
فإن وجد في نفسه ميلا للكذب أو إخلاف الوعد أو الفجور في الخصومة، فليبادر بالتوبة النصوح، وليستأصل هذه الجرثومة الخبيثة.
لأن خصال النفاق كالنار، تأكل حسنات العبد وتفسد قلبه، وتجعله منبوذا في مجتمعه، وممقوتا عند ربه جل جلاله في سماواته.
فالمؤمن الصادق هو الذي يطابق سره علانيته، ويحفظ لسانه وعهوده، ويخاصم بشرف، ويفي بوعوده ولو على حساب مصلحته.
وختاما فإن هذا الحديث يرسم لوحة متكاملة للأخلاق الإسلامية من خلال التحذير من أضدادها المنفرة القبيحة جدا.
فالمجتمع الذي تشيع فيه هذه الخصال الأربع هو مجتمع متهاو مفكك، تنعدم فيه الثقة، وتتعطل فيه المصالح، وتفسد فيه المعاملات.
أما المجتمع الذي يتربى أفراده على الصدق والوفاء والإنصاف، فهو مجتمع قوي متماسك، يرهبه الأعداء ويسعد به الأصدقاء.
فيجب على المربين والدعاة والآباء أن يغرسوا في نفوس الأجيال بغض هذه الصفات المنافية للمروءة والدين منذ نعومة أظفارهم.
وأن يعلموهم أن الرجولة الحقيقية تكمن في الصدق عند الشدائد، والوفاء عند المغريات، والعدل في لحظات الغضب والخصومة.
نسأل الله العلي العظيم أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة الماكرة.
وأن يرزقنا الصدق في الأقوال والأفعال، وأن يجعلنا من الموفين بعهودهم، المنصفين في خصوماتهم، السالمين من خصال المنافقين.
وأن يثبتنا على الإيمان الخالص، ويحشرنا في زمرة الصديقين والشهداء والصالحين، إنه سميع قريب مجيب الدعاء وصلى الله وسلم.